ﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين [ الأنعام : آية ٥٥ ] في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات : قرأه من القراء نافع وحده : ولتستبين سبيل المجرمين بالتاء في ولتستبين ونصب ( سبيل المجرمين )، وعلى هذه القراءة ف ولتستبين تاؤه تاء خطاب والفاعل محذوف لزوما، تقديره : أنت. وعليه فالمعنى : ولتستبين أنت يا نبي الله سبيل المجرمين.
وقرأه حمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم : وليستبين سبيل المجرمين بالياء وضم ( السبيل )، على أن ( السبيل ) مذكر وليستبين سبيل المجرمين و( السبيل ) يذكر ويؤنث، وتذكيره لغة التميميين وغيرهم من أهل نجد. وعلى لغة التذكير قراءة حمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم في قوله هنا : وليستبين سبيل المجرمين أي : يظهر ويتضح طريق المجرمين. ومن تذكير ( السبيل ) قوله في الأعراف : وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا [ الأعراف : آية ١٤٦ ] بتذكير ( السبيل ).
وقرأ باقي السبعة، وهم : ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم، قرأ هؤلاء : ولتستبين سبيل المجرمين بالتاء في ( تستبين ) ورفع ( السبيل )، على أن سبيل المجرمين فاعل ( تستبين ) وأن ( السبيل ) مؤنثة، وتأنيث ( السبيل ) كهذه القراءة كقوله في سورة يوسف : قل هذه سبيلي [ يوسف : آية ١٠٨ ] ولم يقل : هذا سبيلي.
فتحصل أن قراءة التاء ولتستبين رفع بعدها – غير نافع – ( السبيل ) فقالوا : ولتستبين سبيل المجرمين أي : لتظهر وتتضح طريق المجرمين. والتاء في قراءة هؤلاء : هي تاء المؤنثة، كما تقول : " تستبين هند وتقوم فلانة ". و " تستبين السبيل " على أنها مؤنثة.
أما على قراءة نافع : فالتاء في ( تستبين ) تاء خطاب ليست تاء تأنيث، والفاعل غير ( السبيل )، مضمر، أي : ولتستبين أنت يا نبي الله سبيل المجرمين.
و ( استبان ) تأتي لازمة ومتعدية، ( استبان ) و ( أبان ) و ( تبين ) هذه الأفعال الثلاثة من المزيد من ( أبان ) تأتي في لغة العرب لازمة ومتعدية، أما ( استبان ) فقد جاءت لازمة على قراءة الجمهور، من قرؤوا : وليستبين سبيل المجرمين ومن قرؤوا ولتستبين سبيل المجرمين على قراءتهم كلهم ف ( تستبين ) هنا لازمة، و ( سبيل المجرمين ) فاعل، ولا مفعول للفعل، أما على قراءة نافع : ففعل الاستبانة هنا متعد إلى المفعول ؛ لأن المعنى : ولتستبين أنت سبيل المجرمين، أي : تتبينها وتعرفها. فهاتان القراءتان فيهما مثال للزوم ( استبان ) ولتعديها.
ونحو ( استبان ) :( أبان ) و ( بين ) فالعرب أيضا تستعمل ( أبان ) لازمة، تقول : " أبان هذا الأمر واتضح ". بمعنى : ظهر. وتستعملها متعدية للمفعول، تقول : " أبان زيد كلامه، وأبان الله الأمر الفلاني ". كما هو معروف، ومن إتيان ( أبان ) لازمة : يكثر في القرآن اسم فاعلها كتاب مبين [ المائدة : آية ١٥ ] و ( الكتاب المبين ) هو من ( أبان ) اللازمة. ومن إتيان فاعل ( أبان ) اللازمة : قول كعب بن زهير في بانت سعاد :
قنواء في حرتيها للبصير بها*** عتق مبين وفي الخدين تسهيل
( مبين ) : اسم فاعل ( أبان ) اللازمة، بمعنى : بين ظاهر. ومن إتيان ( أبان ) لازمة : قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :

لو دب ذر فوق ضاحي جلدها لأبان من آثارهن حدور
يعني : لظهر من آثار النمل حدور، أي : ورم. و ( أبان ) لازمة، وفاعلها : الحدور، ولا مفعول لها، ومنه قول جرير :
إذا أباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب
أي : ظهر وتبين المقرفات من العراب، وكذلك ( بين ) تأتي لازمة في كلام العرب، ومنه المثل :( قد بين الصبح لذي عينين ) معناه : بين الصبح، أي : بان وظهر وتبين. ومنه بهذا المعنى قول قيس بن ذريح في رواية الجمهور :
وللحب آيات تبين بالفتى*** شحوب وتعرى من يديه الأصابع
فرواية الجمهور، فيمن روى بيت ابن ذريح هذا يرويه :( شحوب ) بالضم، والمعنى : وللحب آيات تبين بالفتى، أي : تظهر وتلوح بالفتى. ما هذه الآيات ؟ شحوب وتعرى من يديه الأصابع. وروى بيت ابن ذريح هذا ثعلب، رواه ثعلب :
وللحب آيات تبين بالفتى*** شحوبا.............................
بالنصب وعلى هذه الرواية فلا شاهد في البيت. ومن إتيان ( بين ) لازمة قول جرير :
رأى الناس البصيرة فاستقاموا*** وبينت المراض من الصحاح
يعني : ظهرت وتبينت. وقوله يهجو الفرزدق :
وجوه مجاشع طليت بلؤم يبين في المقلد والعذار
ومعنى الآية الكريمة : وكذلك نفصل الآيات وكذلك التفصيل الذي فصلنا لك فيه آيات هذه السورة الكريمة مما كنا نفصل، كذلك التفصيل والبيان الواضح نفصل آيات القرآن في كل ما يحتاج إليه الخلق من أمور دينهم وفي كل إبطال المقالات الباطلة التي يأتي بها الخصوم ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [ الفرقان : آية ٣٣ ].
وقوله : ولتستبين – على قراءة الجمهور من ( استبان ) اللازمة – معناه : ولتظهر طريق المجرمين. و ( المجرمون ) جمع ( المجرم )، و ( المجرم ) : اسم فاعل ( الإجرام )، و ( الإجرام ) : ارتكاب الجريمة، و ( الجريمة ) : الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال، تستعمل مادته رباعية وثلاثية، تقول : " أجرم "، كقوله : إن الذين أجرموا [ المطففين : آية ٢٩ ] وتقول : " جرم الذنب، فهو جارم "، ففاعل الثلاثية :( جارم ) على القياس، وفاعل الرباعية ( مجرم ) على القياس، ومن إطلاقه ثلاثيا قول الشاعر :
وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناس مجرم عليه وجارم
لأن ( المجروم ) و ( الجارم ) اسم مفعول، واسم فاعل لجرم الثلاثية إذا ارتكب الجريمة.
وقوله هنا : ولتستبين سبيل المجرمين أي : ولتظهر طريق المجرمين، وعلى قراءة نافع : ولتستبين سبيل المجرمين لتستبين يا نبي الله طريق المجرمين وتتبينها وتعلمها. والنبي وإن كان عالما بسبيل المجرمين فإنه يشرع على لسانه لأمته، فيخاطب ليشرع على لسانه لأمته كما بينا.
وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان :
أحدهما : في الواو، واو ولتستبين سبيل المجرمين علام عطف، وبم يتعلق ؟
الثاني : لم خص سبيل المجرمين، ولم يذكر سبيل المؤمنين ؟
الجواب عن الأول : أن الواو في قوله : ولتستبين سبيل المجرمين تتعلق بمحذوف، واختلفوا في تقديره، قال بعضهم : هو مقدر بعدها وتقرير المعنى : ولأجل أن تستبين سبيل المجرمين فصلنا لك هذا التفصيل. أي : ولأجل استبانتها فصلنا. وقال بعض العلماء : هو معطوف على علة محذوفة، فدل المقام عليه : وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم، ولتستبين سبيل المجرمين.
أما الجواب على السؤال الثاني : وهو لم خص سبيل المجرمين ؟ فللعلماء عنه جوابان :
أحدهما : أن سبيل المجرمين إذا عرفت عرفت منها سبيل المسلمين ؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، وإذا عرف الإنسان الشر عرف أن مقابله هو الخير، وكان حذيفة بن اليمان ( رضي الله عنه ) – كما ثبت عنه في الصحيحين – يسأل عن الشر ليعرفه، ومعرفة الشر على هذا طيبة يعلمها الناس ليتجانبوها ويعلموا أن ما سواها هو الخير، كما ثبت في الصحيحين عن حذيفة ( رضي الله عنه ) : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
قال بعض العلماء : في الآية هنا حذف الواو وما عطفت، أي : لتستبين سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين. قالوا : ومنه سرابيل تقيكم الحر [ النحل : آية ٨١ ] أي : والبرد وله ما سكن في الليل [ الأنعام : آية ١٣ ] أي :[ وما تحرك ] ( في الأصل : " والنهار ". وهذا سبق لسان أو وهم من الشيخ – رحمه الله – لأن النهار مذكور في الآية. وإنما الذي يذكره العلماء عند هذه الآية هو ما أثبته أعلى، والله أعلم )، وحذف الواو وما عطفت إن دل المقام عليه معروف في كلام العرب، وإليه أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله :
والفاء قد تحذف مع ما عطفت والواو إذ لا لبس........
يعني : وكذلك الواو تحذف مع ما عطفت كالفاء إن لم يكن هنالك لبس.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير