(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)
* * *
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ) التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني؛ والمعنى: وكما فصّلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نُفصِّل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدين، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل.
وقال القُتَبى: (نُفَصِّلُ الآيَاتِ) نأتى بها شيئا بعد شيء، ولا ننزلها جملة متصلة، (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) يقال: هذه اللام تتعلق بالفعل " فأين - الفعل الذي تتعلق به؛ فقال الكوفيون: هو مقدّر، أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين؛ قال النحاس: وهذا الحذف كله لَا يحتاج إليه، والتقدير: وكذلك نفصل الآيات فصلناها. وقيل: إن دخول الواو للعطف على المعنى، أي ليظهر الحق وليستبين، قرئ بالياء والتاء (١). " سبيل " برفع اللام ونصبها، وقراءة التاء خطاب للنبي - ﷺ -، أي ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين. فإن قيل: فقد كان النبي - ﷺ - يستبينها؟ فالجواب عند الزجاج - أن الخطاب للنبي - ﷺ - خطاب لأمته، فالمعنى: ولتستبينوا سبيل المجرمين. فإن قيل: فلم لم يذكر سبيل المؤمنين؟ ففي هذا جوابان: أحدهما - أن يكون مثل قوله: (... سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ...).
المعنى: وتقيكم البرد ثم حُذِف، وكذلك يكون هذا المعنى ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف. والجواب الآخر - أن يقال: استبان الشيء واستبنته، وإذا بان
________
(١) (وليستبين) بالياء: عاصم (غير حفص)، وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بالتاء.
سبيل المجرمين فقد بانَ سبيل المؤمنين. والسبيل يذكر ويؤنث؛ فتميم تذكره، وأهل الحجاز تؤنثه؛ وفي التنزيل (... وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ...)، مذكر (... لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ...)، مؤنث؛ وكذلك قرئ (وَلِتَسْتَبِينَ) بالياء والتاء؛ فالتاء خطاب للنبي - ﷺ - والمراد أمته.
* * *
قوله تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة