ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ ﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا تجيء الضمائر كلها للمؤمنين، وذكره المهدوي، وذكر عن الحسن أنه من حساب عملهم كما قال الجمهور، ومِنْ الأولى للتبعيض والثانية زائدة مؤكدة، وقوله:
فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي في قوله: ما عَلَيْكَ وقوله: فَتَكُونَ جواب النهي في قوله: ما عَلَيْكَ وقوله: فَتَكُونَ جواب النهي في قوله: وَلا تَطْرُدِ ومِنَ الظَّالِمِينَ، معناه يضعون الشيء غير مواضعه وقوله تعالى: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية فَتَنَّا معناه في هذه الآية: ابتلينا، فابتلاء المؤمنين بالمشركين هو ما يلقون منهم من الأذى، وابتلاء المشركين بالمؤمنين هو أن يرى الرجل الشريف من المشركين قوما لا شرف لهم قد عظمهم هذا الدين وجعل لهم عند نبيه قدرا ومنزلة، والإشارة بذلك إلى ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضعفة ولِيَقُولُوا معناه ليصير بحكم القدر أمرهم إلى أن يقولوا، فهي لام الصيرورة كما قال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨] أي ليصير مثاله أن يكون لهم عدوا وقول المشركين على هذا التأويل أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا هو على جهة الاستخفاف والهزء ويحتمل الكلام معنى آخر وهو أن تكون اللام في لِيَقُولُوا على بابها في لام كي وتكون المقالة منهم استفهاما لأنفسهم ومباحثة لها وتكون سبب إيمان من سبق إيمانه منهم، فمعنى الآية على هذا التأويل وكذلك ابتلينا أشراف الكفار بضعفاء المؤمنين ليتعجبوا في نفوسهم من ذلك ويكون سبب نظر لمن هدي.
قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أسبق والثاني يتخرج، ومنّ على كلا التأويلين إنما هي على معتقد المؤمنين، أي هؤلاء منّ الله عليهم بزعمهم أن دينهم منة، وقوله أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ أي يا أيها المستخفون أو المتعجبون على التأويل الآخر ليس الأمر أمر استخفاف ولا تعجب، فالله أعلم بمن يشكر نعمته والمواضع التي ينبغي أن يوضع فيها فجاء إعلامهم بذلك في لفظ التقدير إذ ذلك بين لا تمكنهم فيه معاندة.
قوله عز وجل:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)
قال جمهور المفسرين: الَّذِينَ يراد بهم القوم الذين كان عرض طردهم فنهى الله عز وجل عن طردهم، وشفع ذلك بأن أمر بأن يسلم النبي ﷺ عليهم ويؤنسهم، وقال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد الَّذِينَ يراد بهم القوم من المؤمنين الذين صوبوا رأي أبي طالب في طرد الضعفة فأمر الله نبيه أن يسلم عليهم ويعلمهم أن الله يغفر لهم مع توبتهم من ذلك السوء وغيره، وأسند الطبري عن ماهان أنه قال نزلت الآية في قوم من المؤمنين استفتوا النبي ﷺ في ذنوب سلفت منهم فنزلت الآية بسببهم.
قال القاضي أبو محمد: وهي على هذا تعم جميع المؤمنين دون أن تشير إلى فرقة، وقال الفضيل بن

صفحة رقم 296

عياض: قال قوم للنبي ﷺ إنّا قد أصبنا ذنوبا فاستغفر لنا فأعرض عنهم فنزلت الآية، وقوله بِآياتِنا يعم آيات القرآن وأيضا علامات النبوة كلها، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ ابتداء والتقدير: سلام ثابت أو أوجب عليكم، والمعنى: أمنة لكم من عذاب الله في الدنيا والآخرة، وقيل المعنى أن الله يسلم عليكم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى لا يقتضيه لفظ الآية حكاه المهدوي، ولفظه لفظ الخبر وهو في معنى الدعاء، وهذا من المواضع التي جاز فيها الابتداء بالنكرة إذ قد تخصصت، وكَتَبَ بمعنى أوجب، والله تعالى لا يجب عليه شيء عقلا إلا إذا أعلمنا أنه قد حتم بشيء ما فذلك الشيء واجب، وفي: أين هذا الكتاب اختلاف؟ قيل في اللوح المحفوظ، وقيل في كتاب غيره لقوله عليه السلام في صحيح البخاري:
إن الله تعالى كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وقرأ عاصم وابن عامر: «أنه» بفتح الهمزة في الأولى والثانية، ف «أنه» الأولى بدل من الرحمة و «أنه» الثانية خبر ابتداء مضمر تقديره:
فأمره أنه غفور رحيم، هذا مذهب سيبويه وقال أبو حاتم «فإنه» ابتداء ولا يجوز هذا عند سيبويه، وقال النحاس: هي عطف على الأولى وتكرير لها لطول الكلام، قال أبو علي. ذلك لا يجوز لأن مَنْ لا يخلو أن تكون موصولة بمعنى الذي فتحتاج إلى خبر أو تكون شرطية فتحتاج إلى جواب، وإذا جعلنا «فأنه» تكريرا للأولى عطفا عليها بقي المبتدأ بلا خبر أو الشرط بلا جواب، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي «إنه» بكسر الهمزة في الأولى والثانية، وهذا على جهة التفسير للرحمة في الأولى والقطع فيها، وفي الثانية إما في موضع الخبر أو موضع جواب الشرط وحكم ما بعد الفاء إنما هو الابتداء، وقرأ نافع بفتح الأولى وكسر الثانية، وهذا على أن أبدل من الرحمة واستأنف بعد الفاء، وقرأت فرقة بكسر الأولى وفتح الثانية حكاه الزهراوي عن الأعرج وأظنه وهما، لأن سيبويه حكاه عن الأعرج مثل قراءة نافع، وقال أبو عمرو الداني: قراءة الأعرج ضد قراءة نافع، و «الجهالة» في هذا الموضع تعم التي تضاد العلم والتي تشبه بها، وذلك أن المتعمد لفعل الشيء الذي قد نهي عنه تشمل معصيته تلك جهالة، إذ قد فعل ما يفعله الذي لم يتقدم له علم، قال مجاهد: من الجهالة أن لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته أن يركب الأمر، ومن هذا الذي لا يضاد العلم قول النبي عليه السلام في استعاذته «أو أجهل أو يجهل عليّ»، ومنه قول الشاعر [عمرو بن كلثوم] :[الوافر]

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
والجهالة المشبهة ليست بعذر في الشرع جملة والجهالة الحقيقية يعذر بها في بعض ما يخف من الذنوب ولا يعذر بها في كبيرة، و «التوبة» الرجوع، وصحتها مشروطة باستدامة الإصلاح بعدها في الشيء الذي تيب منه، والإشارة بقوله وَكَذلِكَ إلى ما تقدم من النهي عن طرد المؤمنين وبيان فساد منزع العارضين لذلك، وتفصيل الآيات تبيينها وشرحها وإظهارها، واللام في قوله وَلِتَسْتَبِينَ متعلقة بفعل مضمر تقديره ولتستبين سبيل المجرمين فصلناها، وقرأ نافع: «ولتستبين» بالتاء أي النبي صلى الله عليه وسلم، «سبيل» بالنصب حكاه مكي في المشكل له، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: «ولتستبين سبيل المجرمين» برفع السبيل وتأنيثها، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي

صفحة رقم 297

المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي

تحقيق

عبد السلام عبد الشافي محمد

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1422 - 2001
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية