وجاءوا – إصرارا على الكفر – يطلبون آية أخرى :
وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ( ٨ ) ما الملك ؟ الملك جنس جعله الله من الغيب، ونحن لا نؤمن به إلا لأن الله الذي آمنا به قال : إن له ملائكة مثلما قال : إن هناك جنا، والملائكة من الجنس الغيب، والجن مستور عنا. وهؤلاء المنكرون والجاحدون يطلبون نزول ملك حتى يؤمنوا. إذن فهم قد عرفوا هناك غيبا وأن فطرتهم الأولى تحمل أثرا من منطق السماء لكنهم ينكرون، وقولهم بالملك دليل على أن في أعماقهم رواسب من دين إبراهيم ودين إسماعيل، وبقيت تلك الآثار في النفوس لأنها مسألة لا تمس السيادة، ولو أنزل الحق لهم ملكا لما آمنوا أيضا، فهم مكذبون. ولا يريد الحق أن يطبق عليهم سنته بنزول الآية التي يطلبونها حتى لا ينزل بهم عقابه إن كفروا بها. فلو أنزل الحق عليهم ملكا كما يطلبون ثم كفروا لقضي الأمر وأهلكوا بدون إمهال. إذ لو تجلى لهم وظهر على طبيعته ما تحملته كياناتهم البشرية.
ولقد نزل الملك بآثاره الدامغة وهو غيب أنزله – سبحانه وتعالى – بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفعل في رسول الله ما فعل، ولم يظهر من عمله مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أثره فحسب. وها هو ذا رسول الله يشرح لنا ذلك لحظة مجيء الملك أول مرة في غار حراء : قال الملك : اقرأ.
( فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني، فقال ( اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ). ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته يرجف فؤاده ودخل على زوجه السيدة خديجة بنت خويلد، فقال :( زملوني زملوني ). فزملوه حتى ذهب عنه الروع. وأخبرها الخبر وقال :( لقد خشيت على نفسي ) فقالت خديجة – رضي الله عنها – وهي تعدد صفات وخلق رسول الله العظيمة :( كلا والله لا يخزيك الله أبد ؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدود وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الدهر )١.
هكذا كان الإيمان الأول من خديجة من فور أن عرفت خبر الوحي. ويطمئن الحق رسوله من بعد ذلك قائلا :
ألم نشرح لك صدرك ( ١ ) ووضعنا عنك وزرك ( ٢ ) الذي أنقض ظهرك ( ٣ ) ورفعنا لك ذكرك ( ٤ ) ( سورة الشرح ).
وشرح الله صدر رسوله فصار هذا الصدر مهبط الأسرار والعلم وحط عن ظهر الرسول الكريم الأعباء والثقال، وارتبط اسم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأصل الإيمان والعقيدة حتى صار اسم رسول الله مقرونا باسمه – جل شأنه – في الشهادة الأولى للإسلام ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ).
إذن كان هذا حال رسول الله حين تجلى له الملك لا بالحقيقة الملكية، ذلك أن هناك فارقا بين البنيان البشري والبنيان الملكي. فالبنيان البشري يستقبل الأشياء المادية التي تناسب تكوينه، فإن جاءت له طاقة أعلى منه فلا يمكنه أن يستقبلها إلا إذا أعد الله الملك وصوره بصورة تجعله قابلا للإرسال، وأعد الله الرسول ليكون قابلا للاستقبال. نعلم جميعا قصة موسى لما جاء لميقات ربه، وقال الله في وصف ذلك اللقاء :
لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ( ١٤٣ ) ( سورة الأعراف ).
والمانع لرؤية الله هو عدم قدرة الإنسان على الإحاطة البصرية بالله، فعندما تجلى الله للجبل المتماسك الصلب صار الجبل دكا، أي مفتتا وخر موسى عليه السلام مصعوقا من هول ما رأى، ولما أفاق تاب إلى الله وأعلن أنه أول المؤمنين به سبحانه. فإذا كان الإنسان قد صعق من تجلي الحق للجبل، فكيف يقدر على أن يتجلى الحق له ؟.
إننا نعلم أن كل تكوين له قدرة استقبال لما يناسبه من أشياء، وضربنا لذلك مثلا من دنيانا العملية – ولله المثل الأعلى دائما وهو منزه عن كل مثال – نجد الإنسان منا عندما يدخل الكهرباء إلى بيته لرغبة في الانتفاع بقانون النور والضوء لمدة أطول وبفوائد الكهرباء المتعددة، ولكنه عندما يريد أن ينام فهو يطلب الانتفاع بقانون الظلمة، فيطفئ المصابيح، ويضع مصباحا صغيرا لا يتحمل أن يأخذ الطاقة مباشرة من الكهرباء من مصدرها القوي ؛ لذلك يأتي الإنسان بمحول للطاقة فيستقبل المحول طاقة الكهرباء العالية من مصدرها ويخفضها بصورة تناسب المصباح الصغير. وهكذا نحتفظ بضوء ضعيف في الليل لنستفيد من قانون الظلمة لننام.
وقد امتن الحق علينا أنه خلق النور وخلق الظلام، وكل منهما له مهمة. فإذا كان خلق النور والضوء والكهرباء قد أتاح للإنسان بناء حضارة، فالظلام أتاح للإنسان أن يرتاح وتسكن نفسه فيقوم ممتلئا بالنشاط والحيوية. وإذا كنا نحتفظ في الليل ببصيص نور لا يزعج، فنحن نفعل ذلك حتى لا نحطم الأشياء أو نصطدم بها إذا ما قمنا في الليل لقضاء حاجة.
وكذلك الإنسان.... إنه لا يستطيع بضعفه أن يأخذ عن الله مباشرة.... ومن رحمة الحق بالخلق أن جعل بينه وبين الخلق وسائط، بتلقي الملك عن الله، والملك وسيط، والملك ينقل إلى الرسول المصطفى، والرسول المصطفى وسيط، ومن تغفيل أهل الكفر أنهم طالبوا بإنزال ملك رسول. ويرد الله عليهم في موضع آخر من القرآن الكريم :
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ( ٩٤ ) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ( ٩٥ ) [ سورة الإسراء ].
لقد طالبوا – جهلا – أن ينزل إليهم ملك رسول بالهدى، ويأمر الحق رسوله أن يرد عليهم بأنه لو كان بين البشر ملائكة... أي لو كان هناك ملائكة يمشون في الأرض لنزل إليهم الملك كرسول. ولما كان هذا غير حاصل، فقد أرسل الحق رسولا من البشر ؛ لأن المفروض أن يبلغ الرسول وأن يكون كذلك أسوة سلوكية للمنهج، بأن يطبق المنهج على نفسه، فلو نزل ملك كرسول وطبق المنهج على نفسه لقال له البشر : إنك ملك تقدر على ما لا نقدر عليه وأنت لا تصلح أسوة لنا ؛ لذلك كان لا بد أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم أنفسهم حتى يكون أسوة لهم وقدوة.
إن هذا هو ما يبطل الادعاء بألوهية عيسى عليه السلام أو بنوته لله ؛ لأن عيسى عليه السلام طالبهم أن يفعلوا مثله. وأراد الحق ببشرية الرسل أن يؤكد القدرة والأسوة في الرسل، ولذلك قال : ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ؛ لأن البشر لا يستطيعون استقبال إشعاعات وإشراقات الملك لأنهم غير معدين لاستقبال تلك الإشعاعات والإشراقات. لذلك يقول الحق :
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ( ٩ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي