ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ

وهو أي : الله جل وعلا. الذي جعل لكم النجوم أي : خلق لكم النجوم. لتهتدوا بها كل هذا من غرائب صنعه وعجائبه ؛ لأن النجوم يهتدي بها الناس في ظلمات الليل، سواء كانوا في بر أو بحر، وقد يكون الناس ملججين في البحر لا يعرفون جهة قصدهم إلا بالنجوم، وكذلك تأتيهم الظلمات في فيافي الأرض الواسعة فيستدلون بالنجوم، وربما كانوا في مسافة بعيدة إذا جاءهم غيم هلكوا، فإذا رأوا النجوم فرحوا كل الفرح ؛ لأنهم يعرفون بها الجهات، ويستدلون بها على قصد الطريق، كما قال الشاعر :

يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر
يذكر فيفاء من الأرض إذا رأى ركبانها الفرقد بعد أن غاب عنهم : أهلوا يصيحون بالفرقد فرحا منهم أنهم رأوه ؛ لأنهم يهتدون به، كما قال تعالى : وعلامات وبالنجم هم يهتدون [ النحل : آية ١٦ ].
وقد بين القرآن العظيم ثلاثا من حكم خلق النجوم، ثلاثة أشياء :
منها : أنها يهتدي بها الضالون في ظلمات البر والبحر، يعني : ظلمات الليل الكائنة برا أو بحرا كما قاله غير واحد.
الثاني : أن الله زين بها السماء كما قال : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح [ الملك : آية ٥ ].
الثالث : أنها ترجم بها الشياطين كما قال : رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير [ الملك : آية ٥ ].
هذه الحكم الثلاث : من رجم الشياطين بالنجوم، وتزيين السماء الدنيا بها، واهتداء الناس بها في ظلمات البر والبحر، هي حكم ثلاث ذكرها الله من حكم خلقه للنجوم.
والنجوم : هي الكواكب التي ترى في السماء. قيل سمي النجم نجما لأنه يطلع، والعرب تسمي الطلوع نجما، تقول : " نجم النبات ". إذا طلع.
وهذا معنى قوله : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر إنما أضاف الظلمات إلى مكانها من بر أو بحر للملابسة بينهما.
ثم قال تعالى : وقد فصلنا الآيات أي : الدلالات الواضحة على قدرتنا وكمالنا، وأنه ليس لأحد أن يعبد غيرنا.
لقوم يعلمون وهذه الآيات التي فصل كما ذكر من أنه يفلق الحب عن السنبل، والنوى عن النخل، وأنه ( جل وعلا ) يأتي بالليل بدل النهار، والنهار بدل الليل، وأنه ( جل وعلا ) يسخر الشمس والقمر، وأنه ( جل وعلا ) خلق النجوم، وبين من حكمها : اهتداء الخلق بها، هذه الآيات الباهرة القاهرة قد فصلناها لقوم يعلمون.
وإنما خص القوم الذين يعلمون لأنهم هم المنتفعون بها، ومن أساليب القرآن العظيم : أن يخصص بالكلام المنتفع به، كقوله : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ ق : آية ٤٥ ] وهو مذكر للأسود والأحمر، وكقوله : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمان [ يس : آية ١١ ] وهو منذر للأسود والأحمر، إنما أنت منذر من يخشاها [ النازعات : آية ٤٥ ] ونحو ذلك.
وقد بينا فيما مضى أن ( الآيات ) جمع ( آية )، وأنها عند المحققين من علماء العربية، أصلها :( أييه ) على وزن ( فعلة ). وقع الإعلال بموجبه الأول، فأبدلت الياء الأولى ألفا، فقالوا :( آية ).
إطلاقين، أما الإطلاقان في لغة العرب فأشهرهما : أن العرب تطلق ( الآية ) على ( العلامة )، تقول : " آية كذا "، أي : علامته. ومنه قوله تعالى : إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت [ البقرة : آية ٢٤٨ ] أي : علامة أن الله ملك طالوت عليكم : أن يأتيكم التابوت. وهذا أشهر اصطلاح الآية. وقد جاء في شعر نابغة ذبيان – وهو عربي قح جاهلي – تفسير الآية بالعلامة، حيث قال :
توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع
[ ثم بين ]( في هذا الموضع انقطاع في التسجيل، وقد أتممت النقص من كلام الشيخ – رحمه الله – عند تفسير الآية ( ٩ ) من سورة الأعراف ) أن مراده بالآيات : علامات الدار وآثارها، حيث قال :
رماد ككحل العين لأيا أبينه*** ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
المعنى الثاني من إطلاق الآية في اللغة : أن العرب تطلق الآية على الجماعة، تقول : جاء القوم بآياتهم، أي : بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر :
خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا
أي : بجماعتنا.
إذا عرفتم أن ( الآية ) في لغة العرب تطلق على ( العلامة )، وتطلق على ( الجماعة )، فاعلموا أن ( الآية ) في القرآن تطلق إطلاقين :
أحدهما : الآية الكونية القدرية.
الثاني : الآية الشرعية الدينية.
أما الآية الكونية القدرية فهي العلامة التي نصبها الله كونا وقدرا، ليبين بها لخلقه أنه الرب وحده، المعبود وحده، كفلقه الحب عن السنبل، والنوى عن النخل، وكإتيانه بالليل بدل النهار، والنهار بدل الليل، وكتسخيره الشمس والقمر، وكخلقه النجوم ليهتدى بها، هذه آيات كونية قدرية، وضعها خالق هذا الكون كونا وقدرا، جعلها علامة لخلقه أنه القادر على كل شيء، المعبود وحده، والآية الكونية القدرية في القرآن هي من الآية اللغوية التي بمعنى ( العلامة ) لا غير.
الثاني من إطلاقي الآية في القرآن : الآية الشرعية الدينية، كقوله : رسولا يتلوا عليكم ءايات الله [ الطلاق : آية ١١ ] أي آياته الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم.
أما الآية الشرعية الدينية فقد قال بعض العلماء : هي من ( العلامة ) لغة أيضا ؛ لأنها علامات على صدق من جاء بها لما فيها من الإعجاز.
وقال بعض العلماء : الآية الشرعية الدينية من الإطلاق اللغوي الآخر، أي : بمعنى الجماعة ؛ لأن الآية : جماعة من كلمات القرآن اشتملت على بعض ما اشتمل عليه القرآن من الإعجاز، والعقائد، والحلال، والحرام.
وهذا معنى قوله : قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون . أما القوم الذين لا يعلمون فتفصيل هذه الآيات لا ينفع فيهم ؛ لأنهم لا يفهمون عن الله شيئا، فهم كالأنعام ؛ لأن الحمير والبغال والبعير لا يفهمون هذه الآيات عن الله، والله ( جل وعلا ) فضل عليهم الأنعام، قال : أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [ الأعراف : آية ١٧٩ ] أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام [ الفرقان : آية ٤٤ ] فالكفار – والعياذ بالله – أنزل درجة من الأنعام، وإيضاح ذلك : أن البغل – مثلا – والبعير، البغلة التي تعطيها الشعير وتعلفها إذا رأتك صهلت إليك، وظهر عليها الفرح إذا رأتك، الكافر يغدق الله عليه نعمه، وهو يرتكب مساخطه، ويناصبه بالعداء جل وعلا ! !
***

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير