ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ

واحدًا ومسلكًا واحدًا غير مختلف " دلّ ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم.
وفي قوله: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) ودلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الإصباح هو فعل الخلق؛ لأنه مصدر أصبح، وكذلك السكن هو فعل الخلق، ثم أضاف ذلك كله إلى نفسه؛ دل أنه خالق أفعالهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)
واختلف فيه؛ قال أبو عبيد: هو من الحساب، وهو جمع حساب، يقال: حساب وحسبان؛ مثل: شهاب وشهبان؛ وهو كقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ). وقيل: (حسبانًا) أي: جريانا، يجريان ويدوران أبدًا لا يستريحان؛ دل أنهما كانا بغير مسخرين للخلق؛ لأنهما لو كانا بطباعهما لكانا يستريحان. وقيل: حسبانًا، أي: ضياء؛ كقوله: (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا)، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
أي: ذلك الجريان الذي ذكر، أو تلك المنافع التي جعلت فيها تقدير العزيز العليم.
قال الحسن: العزيز: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز: هو الذي به يعز كل عزيز.
وقال بعض أهل التأويل: العزيز: المنيع في سلطانه، المنتقم من أعدائه، العليم بمصالح الخلق وبما كان ويكون وبحوائجهم، وباللَّه التوفيق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ... (٩٧)
والمراد منه: الظلمات، وذكر في قوله: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)

صفحة رقم 183

وأراد بالظلمات: الشدائد والأهوال التي تصيبهم.
ألا ترى أنه قال: (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)، عند الشدائد والأهوال كانوا يدعون ربهم تضرعًا وخفية، على ما ذكرهم هاهنا عظيم سلطانه وقدرته لما يدفع عنهم الشدائد وينجيهم من الأهوال التي تنزل بهم، فالدافع عتهم ذلك هو لا الأصنام التي يعبدون من دون اللَّه ويشركونها في عبادته.
ويذكر في قوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم من السماء نجومًا ليهتدوا بها للطرق والمسالك في البحار والبراري عند أشتباهها عليهم.
وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته؛ لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض؛ ليعلموا أنه كان بواحد مدبر عليم حكيم؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له ولا حكمة، لم يحتمل ذلك، ولم يتسق ما ذكرنا؛ دل أنه كان بالواحد العليم الحكيم، مع علمهم أن الأصنام التي يعبدونها وأشركوها في عبادته لا يقدرون على ذلك، لكنهم يعبدونها ويشركونها في ألوهيته سفهًا منهم وعنادًا، وبالله العصمة والتوفيق.
وفي قوله: (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى)، وقوله: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ) وقوله: (جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا)، وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه إليهم ليتأدى بذلك شكرهم وجعل السعي له.
وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه: أن من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يعجزه شيء.
وفيه تذكير تدبيره وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور والحال على أمر

صفحة رقم 184

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية