قوله : وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا أي : خلقها للاهتداء بها فِي ظلمات الليل عند المسير في البر والبحر وإضافة الظلمات إلى البرّ والبحر، لكونها ملابسة لهما، أو المراد بالظلمات : اشتباه طرقهما التي لا يهتدي فيها إلا بالنجوم، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها الله لها، ومنها ما ذكره الله في قوله : وَحِفْظاً مّن كُلّ شيطان مَّارِدٍ . وجعلناها رُجُوماً للشياطين ، ومنها جعلها زينة للسماء، ومن زعم غير هذه الفوائد فقد أعظم على الله الفرية قَدْ فَصَّلْنَا الآيات التي بيناها بياناً مفصلاً لتكون أبلغ في الاعتبار لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بما في هذه الآيات من الدلالة على قدرة الله وعظمته وبديع حكمته.
وأخرج أيضاً عن ابن عباس في فَالِقُ الإصباح قال : خلق الليل والنهار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال : يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في فَالِقُ الإصباح قال : إضاءة الفجر. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله : فَالِقُ الإصباح قال : فالق الصبح. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : وَجَاعِلُ الليل سَكَنا قال : سكن فيه كل طير ودابة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : والشمس والقمر حُسْبَاناً يعني عدد الأيام والشهور والسنين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظلمات البر والبحر قال : يضلّ الرجل، وهو في الظلمة والجور عن الطريق. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والخطيب في كتاب النجوم، عن عمر بن الخطاب قال : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في برّكم وبحركم، ثم أمسكوا، فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن مردويه، والخطيب، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البرّ والبحر ثم انتهوا ".
وقد ورد في استحباب مراعاة الشمس والقمر لذكر الله سبحانه لا لغير ذلك أحاديث، منها عند الحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أحبّ عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله " وأخرج ابن شاهين والطبراني، والحاكم، والخطيب، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، والخطيب، عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج الخطيب في كتاب النجوم، عن أبي هريرة نحو حديثه الأوّل مرفوعاً. وأخرج الحاكم في تاريخه، والديلمي بسند ضعيف، عن أبي هريرة أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله : التاجر الأمين، والإمام المقتصد، وراعي الشمس بالنهار " وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال : سبعة في ظلّ الله يوم لا ظلّ إلا ظله، فذكر منهم الرجل الذي يراعي الشمس لمواقيت الصلاة ". فهذه الأحاديث مقيدة بكون المراعاة لذكر الله، والصلاة، لا لغير ذلك.
وقد جعل الله انقضاء وقت صلاة الفجر طلوع الشمس، وأوّل صلاة الظهر زوالها، ووقت العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية، ووقت المغرب غروب الشمس، وورد في صلاة العشاء :" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها لوقت مغيب القمر ليلة ثالث الشهر "، وبها يعرف أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها. فمن راعى الشمس والقمر بهذه الأمور فهو الذي أراده، ومن راعاها لغير ذلك فهو غير مراد بما ورد.
وهكذا النجوم، وورد النهي عن النظر فيها كما أخرجه ابن مردويه، والخطيب، عن عليّ قال : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم. وأخرج ابن مردويه، والمرهبي، والخطيب، عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم.
وأخرج الخطيب، عن عائشة مرفوعاً مثله. وأخرج الطبراني، وأبو نعيم في الحلية، والخطيب، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا» وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :«من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» فهذه الأحاديث محمولة على النظر فيها لما عدا الاهتداء والتفكر والاعتبار. وما ورد في جواز النظر في النجوم فهو مقيد بالاهتداء والتفكر والاعتبار كما يدلّ عليه حديث ابن عمر السابق، وعليه يحمل ما روي عن عكرمة فيما أخرجه الخطيب عنه : أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم، فجعل الرجل يتحرّج أن يخبره، فقال عكرمة : سمعت ابن عباس يقول : علم عجز الناس عنه ووددت أني علمته. وقد أخرج أبو داود، والخطيب، عن سمرة بن جندب، أنه خطب فذكر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :«أما بعد، فإن ناساً يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله يعبر بها عباده لينظر ما يحدث لهم من توبة» وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في كسوف الشمس والقمر عن النبي صلى الله عليه وسلم :«إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله بهما عباده» وأخرج ابن مردويه، عن أبي أمامة مرفوعاً :«إن الله نصب آدم بين يديه، ثم ضرب كتفه اليسرى فخرجت ذريته من صلبه حتى ملئوا الأرض» فهذا الحديث هو معنى ما في الآية، - وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة -. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله : فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قال : المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب. وفي لفظ : المستقر ما في الرحم، وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حيّ ومما قد مات. وفي لفظ المستقرّ ما كان في الأرض، والمستودع ما كان في الصلب. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن مسعود في الآية : قال مستقرّها في الدنيا ومستودعها في الآخرة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود قال : المستقرّ الرحم، والمستودع [ المكان ] الذي يموت فيه. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وقتادة في الآية قالا : مستقرّ في القبر، ومستودع في الدنيا، أوشك أن يلحق بصاحبه.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله : نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً قال : هذا السنبل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء بن عازب قنوان دَانِيَة قال قريبة : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قنوان دَانِيَةٌ قال : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه قنوان الكبائس، والدانية المنصوبة. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قنوان دَانِيَةٌ قال : تهدل العذوق من الطلع. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة، في قوله مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه قال : متشابهاً ورقه مختلفاً ثمره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي، في قوله : انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ قال : رطبه وعنبه. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن البراء وَيَنْعِهِ قال نضجه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني