ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

والكفار، حرصا على وحدة الأمة والملة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً....
النهي عن موالاة الكفار
[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)
الإعراب:
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ تُلْقُونَ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو.
لا تَتَّخِذُوا أي لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ملقين. وكذلك: وَقَدْ كَفَرُوا.. حال من واو لا تَتَّخِذُوا.
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا... جِهاداً فِي سَبِيلِي يُخْرِجُونَ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو كَفَرُوا. وأَنْ تُؤْمِنُوا: في موضع نصب على المفعول لأجله. وإن في قوله: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ حرف شرط، وجوابه فيما تقدم، لدلالة الكلام عليه، وهو لا تَتَّخِذُوا أي فلا تتخذوهم أولياء، فهذا متعلق بقوله: لا تَتَّخِذُوا يعني لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وجِهاداً وابْتِغاءَ منصوبان على المفعول لأجله، أو على المصدر في موضع الحال، وتقديره: مجاهدين في سبيلي، ومبتغين لمرضاتي. وتُسِرُّونَ جملة فعلية في موضع نصب على الحال، تقديره: مسرّين إليهم بالمودة، أو بدل من قوله: تُلْقُونَ، وباء بِالْمَوَدَّةِ زائدة أو ثابتة غير زائدة.

صفحة رقم 117

يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ظرف، وعامله: إما تَنْفَعَكُمْ أو يَفْصِلُ.
ويفصل بينكم المبني للمعلوم تقديره: يفصل الله بينكم، وقرئ مبنيا للمجهول. يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ فيكون بَيْنَكُمْ قائما مقام الفاعل، إلا أنه بني على الفتح، كقوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام ٦/ ٩٤] أي وصلكم.
البلاغة:
تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ.. عتاب وتوبيخ.
أَخْفَيْتُمْ وأَعْلَنْتُمْ بينهما طباق، فالإخفاء يقابل الإعلان.
المفردات اللغوية:
عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ عدو الله: من كفر به أو أشرك، ولم يؤمن بما أنزل في كتبه وعدو المؤمنين: من خانهم أو أضر بمصالحهم، أو قاتلهم أو عاون على مقاتلتهم، مثل كفار مكة في الماضي والماديين الملحدين الذين لا يؤمنون بوجود الله أو يؤمنون بألوهية أحد من البشر بتأويلات باطلة في عصرنا. أَوْلِياءَ أصدقاء جمع ولي، أي صديق توليه بالسر. تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ تفضون إليهم المودة، والمراد هنا النصيحة بالمكاتبة وإرسال أخبار الرسول ﷺ إليهم. وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ أي دين الإسلام والقرآن. يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة بالتضييق عليكم. أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ أي لأجل أن آمنتم، وفيه تغليب المخاطب في عهد التنزيل، والتفات من الخطاب إلى الغيبة، للدلالة على ما يوجب الإيمان، وهو تعليل لقوله: يُخْرِجُونَ أي يخرجونكم لإيمانكم بالله تعالى.
إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي أي خرجتم من أوطانكم للجهاد في سبيل الله وطلب مرضاته أي رضائه. وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ أي أنا أعلم منكم، والباء في قوله: بِما أَخْفَيْتُمْ مزيدة، وما: موصولة أو مصدرية. وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ يفعل الاتخاذ.
ضَلَّ أخطأ طريق الهدى. سَواءَ السَّبِيلِ السواء في الأصل: الوسط، والمراد هنا الطريق المستوي وهو طريق الحق.
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم. وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والضرب. وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ أي بما يسوؤكم بالسب والشتم. وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ تمنوا كفركم. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ لن تفيدكم قراباتكم. وَلا أَوْلادُكُمْ الذين توالون المشركين لأجلهم. يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يفرق بينكم من شدة الهول، فيفرّ بعضكم من بعض. ويفصل بالبناء للفاعل بالتخفيف أو التشديد أي الله عز وجل، وقرئ يفصل بالبناء للمجهول مع التشديد، أو التخفيف، ونفصل ونفصّل.

صفحة رقم 118

سبب النزول: نزول الآية (١) :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..:
أخرج الشيخان وبقية الأئمة عن علي رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد بن الأسود، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ «١»، فإن بها ظعينة «٢»، معها كتاب، فخذوه منها، فأتوني به، فخرجوا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرءا ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من نسب فيهم أن أتخذ يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق.
وفيه أنزلت هذه السورة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ الآية.
وتفصيل القصة والكتاب: «أن مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها: سارّة، أتت رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو متجهز لفتح مكة سنة ثمان من الهجرة، فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا، واستحملها كتابا

(١) موضع بين مكة والمدينة على اثني عشر ميلا من المدينة.
(٢) الظعينة: المرأة في الهودج.

صفحة رقم 119

إلى أهل مكة، هذه نسخته: «من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: اعلموا أن رسول الله ﷺ يريدكم، فخذوا حذركم» فخرجت سارّة، ونزل جبريل عليه السلام بالخبر،
فبعث رسول الله ﷺ عليا رضي الله عنه وعمارا وعمرا وفرسانا أخر، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب، فخذوه منها، فإن أبت، فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدته وحلفت، فهموا بالرجوع، فقال علي رضي الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلّ سيفه، وقال:
أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها، فقال رسول الله ﷺ لحاطب: ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن كنت غريبا في قريش، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة، يحمون أهاليهم وأموالهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدّقه وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، وأنزلت السورة».
التفسير والبيان:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أي يا أيها المصدقون بالله تعالى ورسوله ﷺ لا تتخذوا عدوي وعدوكم «١» أنصارا وأصدقاء وأعوانا لكم، توصلون إليهم أخبار النبي ﷺ والمؤمنين، بسبب

(١) العدو يطلق على الواحد والجمع.

صفحة رقم 120

المودة التي بينكم وبينهم، والآية تدل على النهي عن موالاة الكفار بأي وجه من الوجوه.
ونظير الآية كثير، مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ، فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة ٥/ ٥١]. وقوله سبحانه: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران ٣/ ٢٨]. والآية الأولى تتضمن تهديدا شديدا ووعيدا أكيدا.
وسبب النهي هنا أمران:
وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ أي إنهم كفروا بالله تعالى والرسول ﷺ وما جاءكم من القرآن والهداية الإلهية، وأخرجوا الرسول ﷺ والمؤمنين من مكة من أجل إيمانهم بالله، وإخلاص عبادتهم لله تعالى، كما جاء في آية أخرى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللَّهُ [الحج ٢٢/ ٤٠]. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج ٨٥/ ٩].
ثم حرّض الله تعالى على الامتناع من الموالاة، فقال:
أ- إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي أي لا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي، مبتغين رضواني عنكم، ولا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقا عليكم، وسخطا لدينكم.
ب- تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ أي تسرون إليهم الأخبار وخطط النبي والمؤمنين بسبب المودة، وتفعلون ذلك، وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر، والأعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون.
ج- وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي ومن يوال الأعداء

صفحة رقم 121

منكم، فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وحاد عن قصد السبيل التي توصل إلى الجنة والرضوان الإلهي.
ثم ذكر ثلاثة أمور أخرى تمنع الموالاة وتدل على عداوة المشركين في مكة وغيرها، فقال:
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً، وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ أي إن يلقوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة، ويكونوا حربا عليكم، ويمدوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل، وألسنتهم بالسب والشتم، ويتمنوا ارتدادكم وكفركم بربكم ورجوعكم إلى الكفر، فهم يحرصون على ألا تنالوا خيرا، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟!! وهذا كما سبق تهييج على عداوتهم أيضا.
ثم ذكر الله تعالى أن رابطة الدين والإيمان أوثق وأولى وأنفع من رابطة القرابة والولاء، فقال:
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي لن تفيدكم يوم القيامة أقاربكم وأولادكم، حتى توالوا الكفار لأجلهم، كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة سبب النزول، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم الله به من معاداة الكفار وترك موالاتهم وتوثيق عرى الإيمان وأخوة الدين. ففي الآخرة يفرّق الله بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار، والله مطلع على أعمالكم، ومجازيكم عليها خيرا أو شرا.
والمقصود أن القرابة لا تنفع عند الله تعالى، إن أراد الله بكم سوءا، ولن يصل نفعهم إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم، فقد خاب وخسر وضلّ عمله، ولا تنفعه عند الله قرابة من أحد، ولو

صفحة رقم 122

كان قريبا إلى من الأنبياء، قال تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ، فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون ٢٣/ ١٠١] وقال سبحانه: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس ٨٠/ ٣٤- ٣٧] فالمودة لا تنفع في القيامة إذا لم تكن في الله لانفصال كل اتصال يومئذ، ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.
روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس: «أن رجلا قال:
يا رسول الله؟ أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا، دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار»
.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١- تحريم موالاة الكفار ومناصرتهم ومعاونتهم بأي وجه من الوجوه، والسورة أصل في النهي عن موالاة الكفار، ولو في الظاهر، مع عدم الرضا في القلب بالاعتقاد الذي هم عليه.
٢- من كثر تطلعه على عورات المسلمين والتجسس عليهم ونقل أخبارهم للأعداء، لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي، وكان اعتقاده سليما، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد، ولم ينو الرّدّة عن الدّين.
٣- اختلف العلماء في قتل الجاسوس، فقال مالك والأوزاعي في شأن المعاهد والذمي: يجوز قتله، لأنه يصير ناقضا للعهد. وقال الجمهور: لا ينتقض عهد المعاهد بذلك، أما الذمي فرأى الحنابلة: أنه ينتقض عهده بدلالة أهل الحرب المشركين على أسرارنا. وذهب الشافعية: إلى أنه لا ينتقض عهد الذمي بالتجسس إلا إذا شرط عليه انتقاض عهده بذلك.

صفحة رقم 123

وأما الجاسوس المسلم: فقال كبار المالكية: إنه يقتل. وقال الجمهور:
لا يقتل، بل يعزّره الإمام بما يراه من ضرب وحبس ونحوهما.
ودليل الفريقين قصة حاطب، فإن الفريق الأول قالوا: أقر النبي ﷺ عمر رضي الله عنه على إرادة القتل لولا وجود المانع: وهو شهود بدر. وقال الفريق الثاني: إن الرسول ﷺ لم يقتل حاطبا، لأنه مسلم،
وروي عن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ أتي بعين (جاسوس) للمشركين اسمه فرات بن حيّان، فأمر به أن يقتل، فصاح: يا معشر الأنصار، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فخلّى سبيله، ثم قال: «إن منكم من أكله إلى إيمانه، منهم فرات بن حيّان».
٤- ذكرت الآيات خمسة أسباب لتحريم موالاة الكفار، وهي الكفر بالله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، وإخراج الرسول ﷺ والمؤمنين من ديارهم وأموالهم في مكة، وعداوتهم ومجاربتهم للمؤمنين، وقتالهم إياهم وضربهم فعلا، وسبهم وشتمهم، وحرصهم على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
٥- حذر الله تعالى من مخالفة نهيه عن موالاة الأعداء بأمرين: أولهما- أنه سبحانه الأعلم بما تخفي الصدور، وما تظهر الألسن من الإقرار بالله وتوحيده.
وثانيهما- أن من يوالي الكفار ويسرّ إليهم ويكاتبهم من المسلمين، فقد ضل سواء السبيل، أي أخطأ قصد الطريق.
٦- قوله سبحانه: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أي بالنصيحة في الكتاب إليهم، هو معاتبة لحاطب، وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله ﷺ وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محبّ لحبيبه.
٧- الذي يفيد الإنسان يوم القيامة هو الإيمان الصحيح والعمل الصالح، أما الأهل والأولاد أو أصحاب القرابات أو الأنساب، فلا ينفعون شيئا يوم

صفحة رقم 124

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية