تفسير سورة سورة المائدة

أبى بكر السجستاني

كتاب نزهة القلوب

أبى بكر السجستاني

(عقود) عهود.﴿ بَهِيمَةُ ﴾ كل ما كان من الحيوان غير ما يعقل؛ ويقال: البيهمة: ما استبهم عن الجواب، أي استغلق.(صيد) ما كان ممتنعا ولم يكن له مالك وكان حلالا أكله فاذا اجتمعت فيه هذه الخلال فهو صيد.﴿ حُرُمٌ ﴾ واحدهم حرام.
﴿ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾: ما جعله الله علما لطاعته، واحدها شعيرة: مثل الحرم. يقول: لا تحلوه فتصطادوا فيه. ولا الشهر الحرام فتقاتلوا فيه. ولا الهدي وهو ما أهدي إلى البيت، يقول: لا تستحلوه حتى يبلغ محله أي منحره. وإشعار الهدى: أن يقلد بنعل أو غير ذلك ويجلل ويطعن في شق سنامه الأيمن بحديدة ليعلم أنه هدي. ولا القلائد: كان الرجل يقلد بعيره من لحاء شجر الحرم فيأمن بذلك حيث سلك ﴿ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾: عامدين البيت. وأما قوله في الدعاء: ﴿ آمِّينَ ﴾ فبتخفيف الميم وتمد وتقصر، وتفسيره اللهم استجب لي. ويقال: آمين اسم من أسماء الله تعالى. ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾: يكسبنكم، من قولهم فلان جريمة أهله جارمهم: أي كاسبهم. ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾: محركة النون أي بغضاء قوم. وشنآن مسكنة النون: أي بغض قوم. هذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: شنآن وشنآن: مصدران.
﴿ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ ﴾: التي تخنق فتموت ولا تدرك ذكاتها. ﴿ ٱلْمَوْقُوذَةُ ﴾: المضروبة حتى توقذ أي تشرف على الموت ثم تترك حتى تموت وتؤكل بغير ذكاة. ﴿ ٱلْمُتَرَدِّيَةُ ﴾: التي تردت أي سقطت من جبل أو حائط أو بئر فماتت. ﴿ ٱلنَّطِيحَةُ ﴾: أي المنطوحة حتى ماتت ﴿ ذَكَّيْتُمْ ﴾ أي قطعتم أوداجه وأنهرتم دمه وذكرتم اسم الله عليه إذا ذبحتموه. وأصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء. من ذلك ذكاء السن: أي تمام السن أي النهاية في الشباب، والذكاء في الفهم: أن يكون فهما تاما سريع القبول. وذكيت النار إذا أتممت إشعالها. وقوله عز وجل: ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ أي ما أدركتم ذبحه على التمام. قال أبو عمر: وسألت المبرد عن قوله ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ فقال: أي ما خلصتم بفعلكم من الموت إلى الحياة، فسأله الهدهد وأنا أسمع عن قولهم فلان ذكي القلب، فقال: مخلص من الآفات والبلاء، وكذلك ذكيت النار إذا أخرجتها من باب الخمود إلى باب الإشعال بالوقود. قال ابن خالويه سألت أبا عمر عن معنى أنهرت، فقال: أسلت، ومنه قول ابن عباس: أنهر الدم بما شئت: بغالية أو بخار أو بمروة، قال: الغالية: القصبة الحادة، والخار: شجر، والمروة: حجر أبيض مفلطح خشن، فكذلك ثعلب عن ابن الأعرابي. (نصب) ونصب ونصب بمعنى واحد، وهو حجر أو صنم يذبحون عنده. ونصب: تعب وإعياء. وقوله تعالى:﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾[ص: ٤١] أي ببلاء وشر. ﴿ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ﴾ أي تستفعلوا، من قسمت أمري ﴿ ٱلأَزْلاَمِ ﴾ القداح التي كانوا يضربون بها على الميسر، واحدها زلم وزلم. ﴿ مَخْمَصَةٍ ﴾ مجاعة. ﴿ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ أي متمايل إلى حرام.
﴿ حِلٌّ ﴾ أي حلال. وحرم: حرام. وقد قرئت وحرم على قرية، وحرام على قرية، والمعنى واحد. وقوله عز وجل:﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾[البلد: ٢] أي حلال. ويقال: حل: حال ساكن: أي أقسم به بعد خروجك منه.﴿ أُجُورَهُنَّ ﴾ أي مهورهن ﴿ أَخْدَانٍ ﴾ أصدقاء، واحدهم خدن وخدين.
﴿ ٱلْغَائِطِ ﴾: المطمئن من الأرض، وكانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوا غائطا، فكني عن الحدث بالغائظ (لمستم النساء) ولامستم النساء: كناية عن الجماع ﴿ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ أي ترابا نظيفا. والصعيد: وجه الأرض.
﴿ جَبَّارِينَ ﴾: أي أقوياء عظام الأجسام. والجبار: القهار: والجبار: المسلط، كقوله عز وجل﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾[ق: ٤٥] أي بمسلط. والجبار المتكبر كقوله:﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾[مريم: ٣٢].
والجبار: القتال كقوله:﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾[الشعراء: ١٣٠] أي قتالين. والجبار الطويل من النخل.
﴿ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾: أي تنصرف بهما إذا قتلتني، وما أحب أن تقتلني، فمتى قتلتني أحببت أن تنصرف بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك فتكون من أصحاب النار.
آية رقم ٣٠
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ أي شجعته وتابعته. ويقال طوعت: فعلت، من الطوع، يقال: طاع له كذا، أي أتاه طوعا، ولساني لا يطوع بكذا وكذا أي لا ينقاد.
﴿ خِلافٍ ﴾ مخالفة، قال الله عز وجل: ﴿ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ ﴾: أي يده اليمنى ورجله اليسرى يخالف بين قطعهما. وقوله عز وجل:﴿ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ ﴾[التوبة: ٨١] أي بعد رسول الله. وكذلك قوله:﴿ وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾[الإسراء: ٧٦]: أي بعدك.﴿ خِزْيٌ ﴾: أي هوان. وخزي: هلاك أيضا.
﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾: قابلون الكذب، كما يقال: لا تسمع من فلان قوله، أي لا تقبل قوله. وجائز أن يكون ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾: أي يسمعون منك ليكذبوا عليك ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ أي هم عيون لأولئك الغيب. وقوله عز وجل﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ ﴾[التوبة: ٤٧] أي مطيعون. ويقال: سماعون لهم: أي يتجسسون لهم الأخبار.
﴿ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ أي شاهدا، وقيل رقيبا، وقيل مؤتمنا، وقيل قفانا، يقال فلان قفان على فلان إذا كان يتحفظ أموره، فقيل القرآن قفان على الكتب، لأنه شاهد بصحة الصحيح منها وسقم السقيم. والمهيمن في أسماء الله: القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم. وقيل: أصل مهيمن: مؤيمن مفعيل، من أمين، كما قيل: بيطر ومبيطر من البيطار، فقلبت الهمزة هاء لقرب مخرجيهما.﴿ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ شرعة وشريعة: واحدة: أي سنة وطريقة، ومنها طريق واضح. يقال: الشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم ﴿ وَمِنْهَاجاً ﴾ أي طريقا واضحا.
﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي يلينون لهم، من قولك دابة ذلول أي منقاد سهل ليس هذا من الهوان إنما هو من الرفق.﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي يعازون الكافرين يغالبونهم ويمانعونهم. يقال عزه يعزه عزا إذا غلبه.
﴿ لَوْلاَ ﴾ ولو ما إذا لم يحتاجا إلى جواب فمعناهما هلا، كقوله عز وجل ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ ﴾ أي هلا ينهاهم الربانيون و﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ ﴾[الحجر: ٧].
(سحت) كسب ما لا يحل. ويقال: السحت: الرشوة في الحكم.(أحبار) علماء، واحدهم حبر وحبر أيضا.
﴿ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ ﴾ يعني ما لم تعتقدوه يمينا تدينا، ولم توجبوه على أنفسكم، نحو: لا والله، وبلى والله.﴿ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ أي عتق رقبة، يقال حررت المملوك فحر: أي أعتقه فعتق، والرقبة: ترجمة عن الإنسان.
﴿ ٱلنَّعَمِ ﴾ هو البقر والإبل والغنم، وهو جمع لا واحد له من لفظه وجمع النعم أنعام.﴿ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً ﴾ أي مثل ذلك.﴿ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ أي عاقبة أمره في الشر، والوبال: الوخامة وسوء العاقبة، يقال: ماء وبيل. وكلأ وبيل: أي وخم لا يستمرأ أو تضر عاقبته. والوبيل والوخيم ضد المريء.
﴿ بَحِيرَةٍ ﴾ وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها، أي شقوها، وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء. و (السائبة) البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلبه الله من مرض أو بلغه منزلة أن يفعل ذلك، فلا يحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحد. و(الوصيلة) من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا، فإن كان السابع ذكرا ذبح تأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها، وكان لحمها حراما على النساء، ولبن الأنثى حرام على النساء، إلا أن يموت منها شيء، فيأكله الرجال والنساء. و (الحامي): الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال إذا أنتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يمنع من كلأ.
﴿ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ يكلمهم في المهد آية وأعجوبة، ويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة. والكهل الذي انتهى شبابه، يقال: اكتهل الرجل إذا انتهى شبابه.﴿ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ ﴾: أي تقدر، ويقال لمن قدر شيئا وأصلحه: قد خلقه، وأما الخلق الذي هو إحداث فلله عز وجل.
﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ ألقيت في قلوبهم، وأوحى ربك إلى النحل: ألهمها.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

40 مقطع من التفسير