تفسير سورة سورة التكاثر

أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى

تفسير مقاتل بن سليمان

أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى (ت 150 هـ)

نبذة عن الكتاب

أولًا: هذا التفسير هو المعتمد عن مقاتل بن سليمان، وهو الذي وقع فيه الكلام على مقاتل بن سليمان، حيث يكثر نقل قول مقاتل في كتب التفسير الأخرى وهي مأخوذة من هذا الكتاب.
وقصارى الأمر: أن ينسب هذا التفسير إلى مقاتل حتى ولو كان ناقلاً له؛ لأنه ما دام ناقلاً وانتخب فكأنه قد اقتنع بهذا القول وقال به، فلا ينسب إلى غيره، وهذا ما جرى عليه المفسرون بعد ذلك، فيقولون: قال مقاتل في تفسيره، ولا يقولون: روى مقاتل؛ لأنه الرواية فيه قليلة كما ذكرت، فالإنسان إذا انتخب بهذا الأسلوب كأن ما انتخبه يكون من قوله؛ ولهذا يناقشونه على أنه قول مقاتل، وليس على أنه قول فلان، أو غيره ممن سبقهم.
ثانيًا: ذكر طريقته في كتابه هذا، فذكر من سيروي عنهم التفسير، ثم سرد بعد ذلك بدون إسناد، ولا نسبة للأقوال إلى قائلها، فلو نظرت في أول الصفحة فستجد من روي عنه التفسير في هذا الكتاب، من دون ذكر إسناد، وحين دخل في التفسير حذف الإسناد وذكره تفسير الآيات مباشرةً، فلا نستطيع أن نميز قائل هذه الروايات، وهذا مما نقد على مقاتل ، مع أن مقاتلاً تكلم فيه أصلاً، حيث اتهم بالكذب وروايته لا تقبل، ففعله هذا أيضاً زاد طيناً بلة كما يقال.
ثالثًا: نجد أنه يورد أحاديث نبوية، منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسناد في وسط الكتاب.
رابعًا: هذا التفسير يعتبر تفسيرًا كاملًا للقرآن، ليس آيةً آيةً فحسب، بل حرفًا حرفًا، فهو يفسر الآيات حرفًا حرفًا.
خامسًا: هذا التفسير فيه عناية كبيرة جدًا بتفسير القرآن بالقرآن، وكذلك بذكر النظائر القرآنية، وإذا عرفت أن مقاتلاً له كتاب اسمه: وجوه النظائر، فلا يبعد علينا أن نتصور أنه اهتم في تفسيره هذا بالنظائر القرآنية.
سادسًا: فيه عناية بذكر قصص الآي، خصوصاً أخبار بني إسرائيل، وهو يعتبر أحد الذي يعتنون بالرواية عن بني إسرائيل،
سابعًا: له عناية بمبهمات القرآن، يعني: من نزل فيه الخطاب، فيحرص على ذكر من نزل فيه الخطاب، وهذا يسمى مبهمات القرآن، أو يدخل في المراد بالقرآن.
ثامنًا: له عناية بأسباب النزول.
تاسعًا: هذا التفسير لا يستفيد منه المبتدئ، وإنما هو مرجع يستفيد منه المتخصصون في حال الرجوع إلى الرواية ومعرفة القول فقط.ولهذا يقول الإمام أحمد بن حنبل عن هذا التفسير: (ما أحسن هذا التفسير فلو كان له إسناد)، لو كان له إسناد لتبين.
مقدمة التفسير
سورة التكاثر
مكية، عددها ثماني آيات.
﴿ أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ ﴾ [آية: ١] يعني شغلكم التكاثر، وذلك أن حيين من قريش من بني عبد مناف بن قصى، وبنى سهم بن عمرو بن مرة بن كعب، كان بينهم لحاء فافتخروا، فعتادى السادة والأشراف، فقال: بنو عبد مناف: نحن أكثر سيداً، وأعز عزيزاً، وأعظم شرفاً، وأمنع جانباً، وأكثر عدداً، فقال بنو سهم لبنى عبد مناف: مثل ذلك فكاثرهم بنو عبد مناف بالأحياء، ثم قالوا: تعالوا نعد أمواتنا، حتى أتوا المقابر يعدونهم، فقالوا: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان، فعد هؤلاء وهؤلاء موتاهم، فكاثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات، لأنهم كانوا أكثر عدداً في الجاهلية من بني عبد مناف، فأنزل الله في الحيين ﴿ أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ ﴾ يقول: شغلكم التكاثر عن ذكر الآخرة، فلم تزالوا كذلك ﴿ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ ﴾ [آية: ٢] كلكم يقول: إلى أن أتيتم المقابر. ثم أوعدهم الله عز وجل، فقال: ﴿ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [آية: ٣] هذا وعيد ما نحن فاعلون بذلك إذا نزل بكم الموت، ثم قال: ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [آية: ٤] وهو وعيد: إذا دخلتم قبوركم، ثم قال: ﴿ كَلاَّ ﴾ لا يؤمنون بالوعيد، ثم استأنف، فقال: ﴿ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ ﴾ [آية: ٥] لا شك فيه ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ﴾ [آية: ٦] لعلمتم أنكم سترون الجحيم في الآخرة ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ ﴾ [آية: ٧] لا شك فيه، يقول: لترون الجحيم في الآخرة معاينة، والجحيم ما عظم من النار، يقينها رؤية العين، سنعذبهم مرتين، مرة عند الموت، ومرة عند القبر، ثم يردون إلى عذاب عظيم.﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ ﴾ في الآخرة ﴿ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ [آية: ٨] يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، وأيضاً، فذلك قوله:﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ﴾[الأحقاف: ٢٠]، وقال: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ﴾، وذلك أن الله عز وجل إذا جمع الكفار في النار صرخوا: يا مالك، أضجت لحومنا، وأحرقت جلودنا، وجاعت وأعطشت أفواهنا، وأهلكت أبداننا، فهل إلى خروج يوم واحد من سبيل من النار، فيرد عليهم مالك يقول: لا، قالوا: ساعة من النهار، قال: لا، قالوا: فردنا إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل، قال: فينادى مالك، خازن النار، بصوت غليظ جهير، قال: فإذا نادى حسرت النار من فوقه، وسكن أهلها، فيقول: أبشروا فيرجون أن تكون عافية قد أتتهم، ثم يناديهم، يا أهل النار، فيقولون: لبيك، فيقول: يا أهل البلاء، فيقولون: لبيك، فيقول:﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾[الأحقاف: ٢٠]، يا أهل الفرش والوسائد والنعمة في دار الدنيا، كيف تجدون مس سقر؟ قالوا: يأتينا العذاب من كل مكان، فهل إلى أن نموت ونستريح، قال: فيقول: وعزة ربي لا أزيدكم إلا عذاباً، قال: فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ﴾، يعني الشكر للنعيم الذي أعطاه الله عز جل، فلم يهتد ولم يشكر، يعني الكافر.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

1 مقطع من التفسير