تفسير سورة سورة التين
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي
الجامع لأحكام القرآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)
الناشر
دار الكتب المصرية - القاهرة
الطبعة
الثانية
المحقق
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
نبذة عن الكتاب
تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.
الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.
وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.
حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.
وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.
ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.
لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم
وجاء في موقع الوراق، ما يلي:
من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
[تفسير سورة التين]
تفسير سورة" والتين" مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانِي آيَاتٍ.بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة التين (٩٥): آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)فِيهِ ثلاث مسائل: الأول- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ تِينُكُمُ الَّذِي تَأْكُلُونَ، وَزَيْتُونُكُمُ الَّذِي تَعْصِرُونَ مِنْهُ الزَّيْتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ «١» [المؤمنون: ٢٠]. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلُّ تِينٍ، فَقَالَ: [كُلُوا [وَأَكَلَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: [لَوْ قُلْتُ إِنَّ فَاكِهَةً نَزَلَتْ مِنَ الْجَنَّةِ لَقُلْتُ هَذِهِ، لِأَنَّ فَاكِهَةَ الْجَنَّةِ بِلَا عَجَمٍ «٢»، فَكُلُوهَا فَإِنَّهَا تَقْطَعُ الْبَوَاسِيرَ، وَتَنْفَعُ مِنَ النِّقْرِسِ [. وَعَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ اسْتَاكَ بِقَضِيبِ زَيْتُونٍ، وَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [السِّوَاكُ الزَّيْتُونُ! مِنَ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ، يُطَيِّبُ الْفَمَ، وَيَذْهَبُ بِالْحَفَرِ»
، وَهِيَ سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي [. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: التِّينُ: مَسْجِدُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي بُنِيَ عَلَى الْجُودِيِّ، وَالزَّيْتُونُ: مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: التين: المسجد الحرام، والزيتون المسجد
(٢). العجم (بالتحريك): النوى.
(٣). الحفر (بفتح الحاء وسكون الفاء وفتحها): صفرة تعلو الأسنان.
... أتين التين عن عرض «١»
وَهَذَا اسْمُ مَوْضِعٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ وَمَنَابِتِ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَلَا مِنْ قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ خلافه، قاله النحاس. الثانية- وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ، وَلَا يُعْدَلُ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَإِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِالتِّينِ، لِأَنَّهُ كَانَ سِتْرَ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ «٢» [الأعراف: ٢٢] وَكَانَ وَرَقَ التِّينِ. وَقِيلَ: أَقْسَمَ بِهِ لِيُبَيِّنَ وَجْهَ الْمِنَّةِ الْعُظْمَى فِيهِ، فَإِنَّهُ جَمِيلُ الْمَنْظَرِ، طَيِّبُ الْمَخْبَرِ، نَشِرُ «٣» الرَّائِحَةِ، سَهْلُ الْجَنْيِ، عَلَى قَدْرِ الْمُضْغَةِ. وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ فِيهِ:
| انْظُرْ إِلَى التِّينِ فِي الْغُصُونِ ضُحًى | مُمَزَّقَ الْجِلْدِ مَائِلَ الْعُنُقِ |
| كَأَنَّهُ رَبُّ نِعْمَةٍ سُلِبَتْ | فَعَادَ بَعْدَ الْجَدِيدِ فِي الْخَلَقِ |
| أَصْغَرُ مَا فِي النُّهُودِ أَكْبَرُهُ | لَكِنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الطُّرُقِ |
| صُهْبُ الظِّلَالِ أَتَيْنَ التِّينَ عَنْ عُرُضٍ | يُزْجِيَنَ غيما قليلا ماؤه شبما |
(٢). آية ٢٢ سورة الأعراف.
(٣). كذا في الأصول ولم نجده في معاجم اللغة. [..... ]
| التِّينُ يَعْدِلُ عِنْدِي كُلَّ فَاكِهَةٍ | إِذَا انْثَنَى مَائِلًا فِي غُصْنِهِ الزَّاهِي |
| مُخَمَّشُ الْوَجْهِ قَدْ سَالَتْ حَلَاوَتُهُ | كَأَنَّهُ رَاكِعٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ |
[سورة التين (٩٥): آية ٢]
وَطُورِ سِينِينَ (٢)رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَطُورِ قَالَ: جَبَلٌ. سِينِينَ قَالَ: مُبَارَكٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طُورِ جبل، وسِينِينَ، حَسَنٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سِينِينَ هُوَ الْمُبَارَكُ الْحَسَنُ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْجَبَلُ الَّذِي نَادَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: سِينِينَ كُلُّ جَبَلٍ فِيهِ شَجَرٌ مُثْمِرٌ، فَهُوَ سِينِينَ وَسَيْنَاءَ، بِلُغَةِ النَّبَطِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعِشَاءَ بِمَكَّةَ، فَقَرَأَ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.
(٢). أي يأتدمون به.
(٣). راجع ج ١٢ ص ١١٦.
(٤). زيادة عن ابن العربي.
(٥). في نسخ الأصل: (فيها).
[سورة التين (٩٥): آية ٣]
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)يَعْنِي مَكَّةَ. سَمَّاهُ أَمِينًا لِأَنَّهُ آمِنٌ، كَمَا قَالَ: أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً «١» [العنكبوت: ٦٧] فَالْأَمِينُ: بِمَعْنَى الْآمِنُ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
| أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أَسْمُ وَيْحَكِ أَنَّنِي | حَلَفْتُ يَمِينًا لَا أَخُونُ أَمِينِي |
[سورة التين (٩٥): الآيات ٤ الى ٥]
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥)فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ، وَأَرَادَ بِالْإِنْسَانِ: الْكَافِرَ. قِيلَ: هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. وَقِيلَ: كِلْدَةُ بْنُ أُسَيْدٍ. فَعَلَى هَذَا نزلت في منكري
[سورة التين (٩٥): آية ٦]
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فَإِنَّهُ تُكْتَبُ لَهُمْ حَسَنَاتُهُمْ، وَتُمْحَى عَنْهُمْ سَيِّئَاتُهُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ: وَهُمُ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمُ الْكِبَرُ لَا يُؤَاخَذُونَ بِمَا عَمِلُوهُ في كبرهم.
(٢). آية ٣٣ سورة الزمر.
(٣). آية ٤٨ سورة الشورى.
[سورة التين (٩٥): آية ٧]
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)قِيلَ: الْخِطَابُ لِلْكَافِرِ، تَوْبِيخًا وَإِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ. أَيْ إِذَا عَرَفْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَنَّهُ يَرُدُّكَ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَيَنْقُلُكَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى أَنْ تُكَذِّبَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَقَدْ أَخْبَرَكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ؟ وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيِ اسْتَيْقِنْ مَعَ مَا جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا وَالْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى فَمَنْ يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ بِالدِّينِ. وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. كَأَنَّهُ قَالَ: فَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، أَيْ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، بَعْدَ مَا ظَهَرَ مِنْ قُدْرَتِنَا عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالدِّينِ وَالْجَزَاءِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
| دِنَّا تَمِيمًا كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا | دانت أوائلهم في «٣» سالف الزمن |
(٢). في بعض نسخ الأصل: (ملائكة) وفي بعضها: (ملكين).
(٣). في تفسير الشوكاني طبعه مصطفى البابي الحلبي (٤٥٣: ٥): من سالف.
أي أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق. وقيل :" بأحكم الحاكمين " قضاء بالحق، وعدلا بين الخلق. وفيه تقدير لمن اعترف من الكفار بصانع قديم. وألف الاستفهام إذا دخلت عل النفي وفي الكلام معنى التوقيف صار إيجابا، كما قال :
ألستم خير من ركب المطايا(١)
وقيل :" فما يكذبك بعد بالدين. أليس اللّه بأحكم الحاكمين " : منسوخة بآية السيف. وقيل : هي ثابتة ؛ لأنه لا تنافي بينهما. وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما إذا قرأ :" أليس اللّه بأحكم الحاكمين " قالا : بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين "، فيختار ذلك. واللّه أعلم. ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال : من قرأ سورة " والتين والزيتون " فقرأ " أليس اللّه بأحكم الحاكمين " فليقل : بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. واللّه أعلم.
تم عرض جميع الآيات
6 مقطع من التفسير