تفسير سورة سورة البينة
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي
الجامع لأحكام القرآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)
الناشر
دار الكتب المصرية - القاهرة
الطبعة
الثانية
المحقق
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
نبذة عن الكتاب
تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.
الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.
وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.
حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.
وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.
ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.
لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم
وجاء في موقع الوراق، ما يلي:
من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
مقدمة التفسير
وهي مكية في قول يحيي بن سلام، ومدنية في قول ابن عباس والجمهور. وهي تسع١ آيات.
وقد جاء في فضلها حديث لا يصح، رويناه عن محمد بن محمد بن عبد اللّه الحضرمي قال : قال لي أبو عبد الرحمن بن نمير : اذهب إلى أبي الهيثم الخشاب، فاكتب عنه فإنه قد كتب، فذهب إليه، فقال : حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه :" لو يعلم الناس ما في لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب لعطلوا الأهل والمال، فتعلموها " فقال رجل من خزاعة : وما فيها من الأجر يا رسول اللّه ؟ قال :" لا يقرؤها منافق أبدا، ولا عبد في قلبه شك في اللّه. واللّه إن الملائكة المقربين يقرؤونها منذ٢ خلق اللّه السموات والأرض ما يفترون من قراءتها. وما من عبد يقرؤها إلا بعث اللّه إليه ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه، ويدعون له بالمغفرة والرحمة ". قال الحضرمي : فجئت إلى أبي عبد الرحمن بن نمير، فألقيت هذا الحديث عليه، فقال : هذا قد كفانا مؤونته، فلا تعد إليه. قال ابن العربي :" روى إسحاق بن بشر الكاهلي عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم :" لو يعلم الناس ما في ( لم يكن الذين كفروا ) لعطلوا الأهل والمال ولتعلموها٣ ). حديث باطل، وإنما الحديث الصحيح ما روي عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بن كعب :" إن اللّه أمرني أن اقرأ عليك " لم يكن الذين كفروا " قال : وسماني لك ؟ قال :" نعم "، فبكى ".
قلت : خرجه البخاري ومسلم. وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم. قال بعضهم : إنما قرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم على أبيّ، ليعلم الناس التواضع ؛ لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة. وقيل : لأن أبيا كان أسرع أخذا لألفاظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأراد بقراءته عليه، أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه، ويعلم غيره. وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ ؛ إذ أمر اللّه رسوله أن يقرأ عليه. قال أبو بكر الأنباري : وحدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد، قال حدثنا علي بن الجعد، قال حدثنا عكرمة عن عاصم عن زر بن حبيش قال في قراءة أبيّ بن كعب : ابن آدم لو أعطي واديا من مال لالتمس ثانيا، ولو أعطي واديين من مال لا لتمس ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللّه على من تاب. قال عكرمة. قرأ علي عاصم " لم يكن " ثلاثين آية، هذا فيها. قال أبو بكر : هذا باطل عند أهل العلم، لأن قراءتي ابن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبيّ بن كعب، لا يقرأ فيها هذا المذكور في " لم يكن " مما هو معروف في حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على أنه من كلام الرسول عليه السلام، لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن. وما رواه اثنان معهما الإجماع أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة.
وقد جاء في فضلها حديث لا يصح، رويناه عن محمد بن محمد بن عبد اللّه الحضرمي قال : قال لي أبو عبد الرحمن بن نمير : اذهب إلى أبي الهيثم الخشاب، فاكتب عنه فإنه قد كتب، فذهب إليه، فقال : حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه :" لو يعلم الناس ما في لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب لعطلوا الأهل والمال، فتعلموها " فقال رجل من خزاعة : وما فيها من الأجر يا رسول اللّه ؟ قال :" لا يقرؤها منافق أبدا، ولا عبد في قلبه شك في اللّه. واللّه إن الملائكة المقربين يقرؤونها منذ٢ خلق اللّه السموات والأرض ما يفترون من قراءتها. وما من عبد يقرؤها إلا بعث اللّه إليه ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه، ويدعون له بالمغفرة والرحمة ". قال الحضرمي : فجئت إلى أبي عبد الرحمن بن نمير، فألقيت هذا الحديث عليه، فقال : هذا قد كفانا مؤونته، فلا تعد إليه. قال ابن العربي :" روى إسحاق بن بشر الكاهلي عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم :" لو يعلم الناس ما في ( لم يكن الذين كفروا ) لعطلوا الأهل والمال ولتعلموها٣ ). حديث باطل، وإنما الحديث الصحيح ما روي عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بن كعب :" إن اللّه أمرني أن اقرأ عليك " لم يكن الذين كفروا " قال : وسماني لك ؟ قال :" نعم "، فبكى ".
قلت : خرجه البخاري ومسلم. وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم. قال بعضهم : إنما قرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم على أبيّ، ليعلم الناس التواضع ؛ لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة. وقيل : لأن أبيا كان أسرع أخذا لألفاظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأراد بقراءته عليه، أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه، ويعلم غيره. وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ ؛ إذ أمر اللّه رسوله أن يقرأ عليه. قال أبو بكر الأنباري : وحدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد، قال حدثنا علي بن الجعد، قال حدثنا عكرمة عن عاصم عن زر بن حبيش قال في قراءة أبيّ بن كعب : ابن آدم لو أعطي واديا من مال لالتمس ثانيا، ولو أعطي واديين من مال لا لتمس ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللّه على من تاب. قال عكرمة. قرأ علي عاصم " لم يكن " ثلاثين آية، هذا فيها. قال أبو بكر : هذا باطل عند أهل العلم، لأن قراءتي ابن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبيّ بن كعب، لا يقرأ فيها هذا المذكور في " لم يكن " مما هو معروف في حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على أنه من كلام الرسول عليه السلام، لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن. وما رواه اثنان معهما الإجماع أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة.
١ في مصاحفنا:
"ثمان آيات". وفي تفسير الآلوسي: وآيها تسع في البصري، وثمان في غيره"..
٢ في بعض نسخ الأصل: "قبل خلق السماوات... "..
٣ في الرواية الأولى للحديث ص ١٣٨: (فتعلموها)..
"ثمان آيات". وفي تفسير الآلوسي: وآيها تسع في البصري، وثمان في غيره"..
٢ في بعض نسخ الأصل: "قبل خلق السماوات... "..
٣ في الرواية الأولى للحديث ص ١٣٨: (فتعلموها)..
ﰡ
الآيات من ١ إلى ٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ الى ٣]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَذَا قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، وَخَطُّ الْمُصْحَفِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنِ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُنْفَكِّينَ وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:" وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ لَا فِي مَعْرِضِ التِّلَاوَةِ، فَقَدْ قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبَلِ عِدَّتِهِنَّ وَهُوَ تَفْسِيرٌ، فَإِنَّ التِّلَاوَةَ: هُوَ مَا كَانَ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. (وَالْمُشْرِكِينَ) فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى أَهْلِ الْكِتابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَهْلِ الْكِتابِ: الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا بِيَثْرِبَ، وَهُمْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَبَنُو قَيْنُقَاعَ. وَالْمُشْرِكُونَ: الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ وَحَوْلَهَا، وَالْمَدِينَةِ وَالَّذِينَ حَوْلَهَا، وَهُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. (مُنْفَكِّينَ) أَيْ مُنْتَهِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ، مَائِلِينَ عَنْهُ. (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ) أَيْ أَتَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ، أَيْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: الِانْتِهَاءُ بُلُوغُ الْغَايَةِ أَيْ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْلُغُوا نِهَايَةَ أَعْمَارِهِمْ فَيَمُوتُوا، حَتَّى تَأْتِيهُمُ الْبَيِّنَةُ. فَالِانْفِكَاكُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الِانْتِهَاءِ. وَقِيلَ: مُنْفَكِّينَ زَائِلِينَ، أَيْ لَمْ تَكُنْ مُدَّتُهُمْ لِتَزُولَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ رَسُولٌ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا انْفَكَكْتُ أَفْعَلُ كَذَا: أَيْ مَا زِلْتُ. وَمَا انْفَكَّ فُلَانٌ قَائِمًا. أَيْ مَا زَالَ قَائِمًا. وَأَصْلُ الْفَكِّ: الْفَتْحُ، وَمِنْهُ فَكُّ الْكِتَابِ، وَفَكُّ الْخَلْخَالِ، وَفَكُّ السَّالِمِ «١». قَالَ طَرَفَةُ:
| فَآلَيْتُ لَا يَنْفَكُّ كَشْحِي بِطَانَةً | لِعَضْبٍ رَقِيقِ الشفرتين مهند «٢» |
(١). كذا في بعض نسخ الأصل. وفي بعضها: (فك السالم وهي قال طرفة). بياض بعد (وهي). وفي تفسير الثعلبي: (وفك السالم وهي حروف الفطن قال طرفة). ولم نهتد لوجه الصواب فيه.
(٢). الكشح: الجنب والعضب: السيف القاطع. ومهند: أي مشحذ والتهنيد: التشحيذ. ويقال: سيف مهند: إذا عمل ببلاد الهند. [..... ]
(٢). الكشح: الجنب والعضب: السيف القاطع. ومهند: أي مشحذ والتهنيد: التشحيذ. ويقال: سيف مهند: إذا عمل ببلاد الهند. [..... ]
— 140 —
وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
| حَرَاجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إِلَّا مناخة | على الخف أَوْ نَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرًا «١» |
(١). الحراجيج (جمع حرجوج): وهي الناقة الطويلة الضامرة. والخسف: أن تبيت على غير علف. يقول: ما تنفصل من بلد إلى بلد الا مناخة على الخسف.
(٢). آية ٨٩ سورة البقرة.
(٣). الصلا: وسط الظهر من الإنسان ومن كل ذي أربع. وقيل: هو ما انحدر من الوركين. وقيل: هو ما عن يمين الذنب وشماله.
(٢). آية ٨٩ سورة البقرة.
(٣). الصلا: وسط الظهر من الإنسان ومن كل ذي أربع. وقيل: هو ما انحدر من الوركين. وقيل: هو ما عن يمين الذنب وشماله.
— 141 —
الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهُمْ- وَهُمُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ- مُنْفَكِّينَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّ هَذَا الرَّسُولَ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ مُحَمَّدٌ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْآنَ بِمُحَمَّدٍ- وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ مُعَظِّمِينَ لَهُ، بِمُنْتَهِينَ عَنْ هَذَا الْكُفْرِ، إِلَى أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا إِلَيْهِمْ وَيُبَيِّنَ لَهُمُ الْآيَاتِ، فَحِينَئِذٍ يُؤْمِنُ قَوْمٌ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْمُشْرِكُونَ رَفْعًا، عَطْفًا عَلَى الَّذِينَ. وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَبْيَنُ، لِأَنَّ الرَّفْعَ يَصِيرُ فِيهِ الصِّنْفَانِ كَأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ: فَمَا كَانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ مُنْفَكِّينَ. وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَمْ يَكُنِ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُنْفَكِّينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) قِيلَ حَتَّى أَتَتْهُمْ. وَالْبَيِّنَةُ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ) أي بعيث مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: رَسُولٌ رُفِعَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْبَيِّنَةُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ هِيَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ هُوَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ تُذَكَّرُ فَيُقَالُ: بَيِّنَتِي فُلَانٌ. وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ وَابْنِ مسعود" رسولا" بالنصب على القطع. (يَتْلُوا) أَيْ يَقْرَأُ. يُقَالُ: تَلَا يَتْلُو تِلَاوَةً. (صُحُفاً) جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وَهِيَ ظَرْفُ الْمَكْتُوبِ. (مُطَهَّرَةً) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ الزُّورِ، وَالشَّكِّ، وَالنِّفَاقِ، وَالضَّلَالَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مِنَ الْبَاطِلِ. وَقِيلَ: مِنَ الْكَذِبِ، وَالشُّبُهَاتِ. وَالْكُفْرُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. أَيْ يَقْرَأُ مَا تَتَضَمَّنُ الصُّحُفُ مِنَ الْمَكْتُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، لَا عَنْ كِتَابٍ، لِأَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا، لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ. ومُطَهَّرَةً: مِنْ نَعْتِ الصُّحُفِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ «١» [عبس: ١٤ - ١٣]، فَالْمُطَهَّرَةُ نَعْتٌ لِلصُّحُفِ فِي الظَّاهِرِ، وَهِيَ نَعْتٌ لِمَا فِي الصُّحُفِ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: مُطَهَّرَةً أَيْ يَنْبَغِي أَلَّا يَمَسَّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ (الْوَاقِعَةِ) حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ «٢». وَقِيلَ: الصُّحُفُ الْمُطَهَّرَةُ: هِيَ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، الَّذِي مِنْهُ نُسِخَ ما أنزل على الأنبياء
(١). آية ١٣ سورة عبس.
(٢). راجع ج ١٧ ص ٢٢٥ فما بعدها.
(٢). راجع ج ١٧ ص ٢٢٥ فما بعدها.
— 142 —
آية رقم ٤
مِنَ الْكُتُبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ «١» [البروج: ٢٢ - ٢١]. قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي الصُّحُفَ الْمُطَهَّرَةَ فِي السَّمَاءِ. (فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أَيْ مُسْتَقِيمَةٌ مُسْتَوِيَةٌ مُحْكَمَةٌ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: قَامَ يَقُومُ: إِذَا اسْتَوَى وَصَحَّ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الصُّحُفُ هِيَ الْكُتُبُ، فَكَيْفَ قَالَ فِي صُحُفٍ فِيهَا كُتُبٌ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْكُتُبَ هُنَا: بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ، قَالَ الله عز وجل: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ «٢» [المجادلة: ٢١] بِمَعْنَى حَكَمَ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَاللَّهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ) ثُمَّ قَضَى بِالرَّجْمِ، وَلَيْسَ ذِكْرُ الرَّجْمِ مَسْطُورًا فِي الْكِتَابِ، فَالْمَعْنَى: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَقِيلَ: الْكُتُبُ الْقَيِّمَةُ: هِيَ الْقُرْآنُ، فَجَعَلَهُ كُتُبًا لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ على أنواع من البيان.
[سورة البينة (٩٨): آية ٤]
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أَيْ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. خَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالتَّفْرِيقِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مَجْمُوعِينَ مَعَ الْكَافِرِينَ، لِأَنَّهُمْ مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ فَإِذَا تَفَرَّقُوا كَانَ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَدْخَلُ فِي هَذَا الْوَصْفِ. (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) أَيْ أَتَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ الْوَاضِحَةُ. وَالْمَعْنِيُّ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ الْقُرْآنُ مُوَافِقًا لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكِتَابِ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَلَمَّا بُعِثَ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَتَفَرَّقُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ: بَغْيًا وَحَسَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ «٤» [الشورى: ١٤]. وَقِيلَ: الْبَيِّنَةُ: الْبَيَانُ الَّذِي فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إلى قوله قَيِّمَةٌ [البينة: ٥]: حُكْمُهَا فِيمَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ. وَقَوْلُهُ: وَما تَفَرَّقَ: حُكْمُهُ فِيمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ من أهل الكتاب بعد قيام الحجج.
| وَمَا الْوَلَاءُ بِالْبَلَاءِ «٣» فَمِلْتُمُ | وَمَا ذَاكَ قَالَ اللَّهُ إِذْ هُوَ يَكْتُبُ |
[سورة البينة (٩٨): آية ٤]
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أَيْ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. خَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالتَّفْرِيقِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مَجْمُوعِينَ مَعَ الْكَافِرِينَ، لِأَنَّهُمْ مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ فَإِذَا تَفَرَّقُوا كَانَ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَدْخَلُ فِي هَذَا الْوَصْفِ. (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) أَيْ أَتَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ الْوَاضِحَةُ. وَالْمَعْنِيُّ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ الْقُرْآنُ مُوَافِقًا لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكِتَابِ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَلَمَّا بُعِثَ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَتَفَرَّقُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ: بَغْيًا وَحَسَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ «٤» [الشورى: ١٤]. وَقِيلَ: الْبَيِّنَةُ: الْبَيَانُ الَّذِي فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إلى قوله قَيِّمَةٌ [البينة: ٥]: حُكْمُهَا فِيمَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ. وَقَوْلُهُ: وَما تَفَرَّقَ: حُكْمُهُ فِيمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ من أهل الكتاب بعد قيام الحجج.
(١). آخر سورة البروج.
(٢). آية ٢١ سورة المجادلة.
(٣). كذا في الأصل، ولم نقف على هذا البيت فيما لدينا من المراجع. ولعل صوابه:
ومال الولاة بالبلاء فملتم.. إلخ
(٤). آية ١٤ سورة الشورى.
(٢). آية ٢١ سورة المجادلة.
(٣). كذا في الأصل، ولم نقف على هذا البيت فيما لدينا من المراجع. ولعل صوابه:
ومال الولاة بالبلاء فملتم.. إلخ
(٤). آية ١٤ سورة الشورى.
آية رقم ٥
[سورة البينة (٩٨): آية ٥]
وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما أُمِرُوا) أَيْ وَمَا أُمِرَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ (إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ) أَيْ لِيُوَحِّدُوهُ. وَاللَّامُ فِي لِيَعْبُدُوا بِمَعْنَى (أَنْ)، كقوله: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ «١» لَكُمْ [النساء: ٢٦] أي أن يبين. ويُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ «٢» [الصف: ٨]. وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٣» [الانعام: ٧١]. وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ. (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أَيِ الْعِبَادَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ «٤» [الزمر: ١١]. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ وَهُوَ الَّذِي يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرِهِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (حُنَفاءَ) أَيْ مَائِلِينَ عَنِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حُنَفَاءُ: عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: الْحَنِيفُ: مَنِ اخْتَتَنَ وَحَجَّ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَأَصْلُهُ أَنَّهُ تَحَنَّفَ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَيْ مَالَ إِلَيْهِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ) أَيْ بِحُدُودِهَا فِي أَوْقَاتِهَا. (وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ) أَيْ يُعْطُوهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا. (وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أَيْ ذَلِكَ الدين الذي أمروا به دين القيمة، أَيِ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ ذَلِكَ دِينُ الْمِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ. والْقَيِّمَةِ: نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. أَوْ يُقَالُ: دِينُ الْأُمَّةِ الْقَيِّمَةِ بِالْحَقِّ، أَيِ الْقَائِمَةِ بِالْحَقِّ. وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وَذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْقَيِّمَةِ جَمْعُ الْقَيِّمِ، وَالْقَيِّمُ وَالْقَائِمُ: وَاحِدٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَضَافَ الدِّينَ إِلَى الْقَيِّمَةِ وَهُوَ نَعْتُهُ، لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ. وَعَنْهُ أَيْضًا: هُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَدَخَلَتِ الْهَاءُ لِلْمَدْحِ وَالْمُبَالَغَةِ. وَقِيلَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمِلَّةِ أَوِ الشَّرِيعَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بن الأشعث، الطالقاني الْقَيِّمَةِ ها هنا: الْكُتُبُ الَّتِي جَرَى ذِكْرُهَا، وَالدِّينُ مُضَافٌ إِلَيْهَا.
(١). آية ٢٦ سورة النساء.
(٢). آية ٨ سورة الصف.
(٣). آية ٧١ سورة الانعام.
(٤). آية ١١ سورة الزمر.
(٢). آية ٨ سورة الصف.
(٣). آية ٧١ سورة الانعام.
(٤). آية ١١ سورة الزمر.
الآيات من ٦ إلى ٧
[سورة البينة (٩٨): الآيات ٦ الى ٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ) الْمُشْرِكِينَ: مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِينَ، أَوْ يَكُونُ مَجْرُورًا مَعْطُوفًا عَلَى أَهْلِ. (فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ ذَكْوَانَ بِالْهَمْزِ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ، وَهُوَ الْبَارِئُ الْخَالِقُ، وقال: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها «١» [الحديد: ٢٢]. الْبَاقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَشَدَّ الْيَاءَ عِوَضًا مِنْهُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنْ أُخِذَتِ الْبَرِيَّةُ مِنَ الْبَرَى، وَهُوَ التُّرَابُ، فَأَصْلُهُ غَيْرُ الْهَمْزِ، تَقُولُ مِنْهُ: براه الله يبرؤه بَرْوًا، أَيْ خَلَقَهُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَمَنْ قَالَ الْبَرِيَّةُ مِنَ الْبَرَى، وَهُوَ التُّرَابُ، قَالَ: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ تَحْتَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ. وَقِيلَ: الْبَرِيَّةُ: مِنْ بَرَيْتُ الْقَلَمَ، أَيْ قَدَّرْتُهُ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ. وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يَجِبُ مِنْهُ تَخْطِئَةُ مَنْ هَمَزَ. وَقَوْلُهُ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أَيْ شَرُّ الْخَلِيقَةِ. فَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّعْمِيمِ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَيْ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ «٢» [البقرة: ٤٧] أَيْ عَلَى عَالِمِي زَمَانِكُمْ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي كُفَّارِ الْأُمَمِ قَبْلَ هَذَا مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ، مِثْلُ فِرْعَوْنَ وَعَاقِرِ نَاقَةِ صَالِحٍ. وَكَذَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ: إِمَّا عَلَى التَّعْمِيمِ، أَوْ خَيْرُ بَرِيَّةِ عَصْرِهِمْ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِقِرَاءَةِ الْهَمْزِ مَنْ فَضَّلَ بَنِي آدَمَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ" الْبَقَرَةِ" الْقَوْلُ فِيهِ «٣». وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَعْضِ الملائكة الذين عنده.
(١). آية ٢٢ سورة الحديد. [..... ]
(٢). آية ٤٧ سورة البقرة.
(٣). راجع ج ١ ص ٢٨٩ طبعه ثانية أو ثالثة.
(٢). آية ٤٧ سورة البقرة.
(٣). راجع ج ١ ص ٢٨٩ طبعه ثانية أو ثالثة.
آية رقم ٨
[سورة البينة (٩٨): آية ٨]
جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَزاؤُهُمْ) أَيْ ثَوَابُهُمْ. (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أَيْ خَالِقِهِمْ وَمَالِكِهِمْ. (جَنَّاتُ) أَيْ بَسَاتِينُ. (عَدْنٍ) أَيْ إِقَامَةٍ. وَالْمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: جَنَّاتُ عَدْنٍ بُطْنَانِ الْجَنَّةِ، أَيْ وَسَطُهَا، تَقُولُ: عَدَنَ بِالْمَكَانِ يَعْدِنُ [عَدْنًا وَعُدُونًا]: أَقَامَ. وَمَعْدِنُ الشَّيْءِ: مَرْكَزُهُ وَمُسْتَقَرُّهُ. قَالَ الْأَعْشَى:
| وَإِنْ يُسْتَضَافُوا إِلَى حُكْمِهِ | يُضَافُوا إِلَى رَاجِحٍ قَدْ عَدْنٍ |
[تفسير سورة الزلزلة]
سُورَةُ" الزَّلْزَلَةِ" مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ. وَمَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَهِيَ تِسْعُ «١» آيَاتٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذِهِ السُّورَةُ فَضْلُهَا كَثِيرٌ، وَتَحْتَوِي عَلَى عَظِيمٍ: رَوَى الترمذي عن أنس ابن مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَرَأَ (إِذَا زُلْزِلَتْ)، عُدِلَتْ لَهُ بِنِصْفِ الْقُرْآنِ. وَمَنْ قَرَأَ (قُلْ يَا أيها الكافرون) [الْكَافِرُونَ: ١] عُدِلَتْ لَهُ بِرُبْعِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ (قل هو الله أحد) [الإخلاص: ١] عُدِلَتْ لَهُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ (. قَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَرَأَ إِذَا زُلْزِلَتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ). وَرَوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (إِذَا زُلْزِلَتْ) بَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَوْلَا أَنَّكُمْ تُخْطِئُونَ وَتُذْنِبُونَ وَيَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، لَخَلَقَ أُمَّةً يُخْطِئُونَ وَيُذْنِبُونَ وَيَغْفِرُ لهم، إنه هو الغفور الرحيم [.
(١). في حاشية الشهاب: (آيها تسع أو ثمان).
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
5 مقطع من التفسير