جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
يعني بذلك : أن الله اصطفى آل إبراهيم وآل عمران ﴿ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ فالذرّية منصوبة على القطع من آل إبراهيم وآل عمران : لأن «الذرّية » نكرة، و«آل عمران » معرفة، ولو قيل نصبت على تكرير الاصطفاء لكان صوابا، لأن المعنى : اصطفى ذرّية بعضها من بعض. وإنما جعل «بعضهم من بعض » في الموالاة في الدين والموازرة على الإسلام والحق، كما قال جلّ ثناؤه :﴿وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ وقال في موضع آخر :﴿المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني أن دينهم واحد وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله :﴿ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ إنما معناه : ذرّية دين بعضها دين بعض، وكلمتهم واحدة، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿ذُرّيّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾ يقول : في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.
وقوله :﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يعني بذلك : والله ذو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذرت له ما في بطنها محرّرا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٦٨٥٤ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم" إلى قوله:"والله سميع عليم"، قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوّة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياءَ المصطفين لربهم. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك: إن الله اصطفى آلَ إبراهيم وآل عمران"ذريةً بعضها من بعض".
* * *
ف"الذرية" منصوبة على القطع من"آل إبراهيم وآل عمران"، لأن"الذرية"، نكرة،"وآل عمران" معرفة. (٢)
ولو قيل نصبت على تكرير"الاصطفاء"، لكان صوابًا. لأن المعنى: اصطفى ذريةً بعضُها من بعض. (٣)
* * *
وإنما جعل"بعضهم من بعض" في الموالاة في الدين، والمؤازرة على الإسلام والحق، كما قال جل ثناؤه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [سورة التوبة: ٧١]، وقال في موضع آخر: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [سورة التوبة: ٦٧]، يعني: أنّ دينهم واحدٌ وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله:
(٢) انظر ما سلف في معنى"القطع"، وهو الحال، قريبًا ص: ٢٧٠، تعليق: ٣.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٠٧.