جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأصنام المكذّبين بك : أرأيتم أيها المشركون بالله غيره إن أصمكم الله فذهب بأسماعكم وأعمالكم فذهب بأبصاركم، وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ فطبع عليها حتى لا تفقهوا قولاً ولا تبصروا حجة ولا تفهموا مفهوما، أيّ إله غير الله الذي له عبادة كل عابد يأتيكم به يقول : يردّ عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام فتعبدوه أو تشركوه في عبادة ربكم الذي يقدر على ذهابه بذلك منكم وعلى ردّه عليكم إذا شاء.
وهذا من الله تعالى تعليم نبيه الحجة على المشركين به، يقول له : قل لهم : إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم ضرّا ولا نفعا، وإنما يستحقّ العبادة عليكم من كان بيده الضرّ والنفع والقبض والبسط، القادر على كل ما أراد لا العاجز الذي لا يقدر على شيء. ثم قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرّف الاَياتِ يقول : انظر كيف نتابع عليهم الحجج ونضرب لهم الأمثال والعبر ليعتبروا ويذكروا فينيبوا. ثمّ هُمْ يَصْدِفُونَ يقول : ثم هم مع متابعتنا عليهم الحجج وتنبيهنا إياهم بالعبر عن الادّكار والاعتبار يعرضون، يقال منه : صدف فلان عني بوجهه فهو يَصْدِفُ صُدوفا وصَدفا : أي عدل وأعرض، ومنه قول ابن الرقاع :
| إذا ذَكَرْنَ حدِيثا قُلْنَ أحْسَنَه | وهُنّ عنْ كُلّ سُوءٍ يُتّقَى صُدُفُ |
| يُرْوِي قَوامِحَ قبلَ اللّيْلِ صَادِفَةً | أشباهَ جِنَ عَلَيْها الرّيْط والأُزُرُ |
وينحو ما قلنا في تأويل قوله يَصْدِفُونَ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : يَصْدِفُونَ قال : يعرضون.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : يَصْدِفُونَ قال : يعدلون.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : فأخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : نُصَرّف الاَياتِ ثمّ هُمْ يَصْدِفُونَ قال : يعرضون عنها.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، السديّ : ثُمّ هُمْ يَصْدِفُونَ قال : يصدّون.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بي الأوثانَ والأصنامَ، المكذبين بك: أرأيتم، أيها المشركون بالله غيرَه، إن أصمَّكم الله فذهب بأسماعكم، وأعماكم فذهب بأبصاركم، وختم على قلوبكم فطبع عليها، حتى لا تفقهوا قولا ولا تبصروا حجة، ولا تفهموا مفهومًا، (١) أيّ إله غير الله الذي له عبادة كل عابد ="يأتيكم به"، يقول: يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام، فتعبدوه أو تشركوه في عبادة ربكم الذي يقدر على ذهابه بذلك منكم، وعلى ردّه عليكم إذا شاء؟
وهذا من الله تعالى ذكره، تعليم نبيَّه الحجة على المشركين به، يقول له: قل لهم: إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، وإنما يستحق العبادةَ عليكم من كان بيده الضر والنفع، والقبض والبسط، القادرُ على كل ما أراد، لا العاجز الذي لا يقدر على شيء.
ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"انظر كيف نصرف الآيات"، يقول: انظر كيف نتابع عليهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال والعبر، ليعتبروا ويذكروا فينيبوا، (٢) ="ثم هم يصدفون"، يقول: ثم هم مع متابعتنا عليهم الحجج، وتنبيهنا إياهم بالعبر، عن الادّكار والاعتبار يُعْرضون.
* * *
(٢) انظر تفسير"التصريف" فيما سلف ٣: ٢٧٥، ٢٧٦.
| إِذَا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أَحْسَنَهُ، | وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ (١) |
| يُرْوِي قَوامِحَ قَبْلَ اللَّيْلِ صَادِفَةً | أَشْبَاهَ جِنّ، عَلَيْهَا الرَّيْطُ وَالأزُرُ (٢) |
(٢) ديوانه، القصيدة رقم: ١٢، البيت: ٢٢. وهذا البيت من أبيات أحسن فيها الثناء على نفسه، وقبله:
| ولا أقُولُ إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ | يَا وَيْحَ نَفْسِيَ مَمَّا أَحْدَثَ القَدَرُ |
| ولا أضِلُّ بأَصْحَابٍ هَدَيْتُهُمُ | إذَا المُعَبَّدُ في الظَّلْمَاء يَنْتَشِرُ |
| وأُرْبِحُ التَّجْرَ، إنْ عَزَّتْ فِضَالُهُمُ | حَتَّى يَعُودَ سَلِيمًا حَوْلَهُ نَفَرُ |
| غَرْبُ المَصَبَّةِ، مَحْمُودٌ مَصَارِعُهُ | لاَهِي النَّهَارِ، أسِيرُ الليل، مُحْتَقِرُ |
| يُرْوى قَوَامحَ........ | ................... |
| ولا أضِلُّ بأَصْحَابٍ هَدَيْتُهُمُ | إذَا المُعَبَّدُ في الظَّلْمَاء يَنْتَشِرُ |
| وأُرْبِحُ التَّجْرَ، إنْ عَزَّتْ فِضَالُهُمُ | حَتَّى يَعُودَ سَلِيمًا حَوْلَهُ نَفَرُ |
| إِنْ يُتْلِفُوا يُخْلِفُوا فِي كُلِّ مَنْفَضَةٍ | مَا أَتْلَفُوا لاِبْتِغَاءِ الحَمْدِ أوْ عَقَرُوا |
قيل: جائز أن تكون"الهاء" عائدة على"السمع"، فتكون موحّدة لتوحيد"السمع" = وجائز أن تكون معنيًّا بها: من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار والأفئدة، فتكون موحده لتوحيد"ما". والعرب تفعل ذلك، إذا كنتْ عن الأفعال وحّدت الكناية، وإن كثر ما يكنى بها عنه من الأفاعيل، كقولهم:"إقبالك وإدبارك يعجبني". (١)
* * *
وقد قيل: إن"الهاء" التي في"به" كناية عن"الهدى". (٢)
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله:"يصدفون"، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٤٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"يصدفون"، قال: يعرضون.
١٣٢٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٣٢٤٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"يصدفون"، قال: يعدلون.
١٣٢٤٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"نصرف الآيات ثم هم يصدفون"، قال: يعرضون عنها.
(٢) وهذا أيضًا ذكره الفراء في معاني القرآن ١: ٣٣٥.