جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هََذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.
وهذا فيما ذكر ابن عباس، خبر من الله تعالى ذكره عن قيل الشاهد : إنه قال للمرأة وليوسف، يعني بقوله :﴿يُوسُفُ﴾ : يا يوسف، ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، يقول : أعرض عن ذكر ما كان منها إليك فيما راودتك عليه، فلا تذكره لأحد. كما :
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، قال : لا تذكره، ﴿واسْتَغْفِري﴾، أنت زوجك، يقول : سليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبت، وأن يصفح عنه، فيستره عليك.
﴿إنّكِ كُنْتِ مِنَ الخَاطِئينَ﴾، يقول : إنك كنت من المذنبين في مراودة يوسف عن نفسه، يقال منه : خطىء في الخطيئة يخْطَأُ خَطَأً وَخِطْأً، كما قال جلّ ثناؤه :﴿إنّهُ كانَ خِطْأً كَبيرا﴾، والخطأ في الأمر، وحكى في الصواب أيضا : الصّوْب، والصوب، كما قال : الشاعر :
| لَعَمْرُكِ إنّمَا خَطَئِي وَصَوْبِي | عليّ وإِنّ ما أهْلَكْتُ مالُ |
| عبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌ | بكَفّيْكَ المَنايا والحُتُومُ |
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
قال أبو جعفر: وإنما حذفت"أنَّ" التي تتلقَّى بها"الشهادة" لأنه ذهب بالشهادة إلى معنى"القول"، كأنه قال: وقال قائل من أهلها: إن كان قميصه = كما قيل: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ) [سورة النساء: ١١]، لأنه ذهب بالوصية إلى"القول".
* * *
وقوله: (فلما رأى قميصه قدّ من دبر)، خبر عن زوج المرأة، وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكن = أي: صنيعكن، يعني من صنيع النساء (١) = (إن كيدكن عظيم).
* * *
وقيل: إنه خبر عن الشاهد أنه القائلُ ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾
قال أبو جعفر: وهذا فيما ذكر عن ابن عباس، خبرٌ من الله تعالى ذكره عن قِيل الشاهد أنه قال للمرأة وليوسف.
* * *
يعني بقوله: (يوسف) يا يوسف = (أعرض عن هذا)، يقول: أعرض عن ذكر ما كان منها إليك فيما راودتك عليه، فلا تذكره لأحد، (٢) كما:-
(٢) انظر تفسير" الإعراض" فيما سلف ١٥: ٤٠٧، تعليق: ١، والمراجع.
* * *
= (إنك كنت من الخاطئين)، يقول: إنك كنت من المذنبين في مراودة يوسف عن نفسه.
* * *
يقال منه:"خَطِئ" في الخطيئة"يخطَأ خِطْأً وخَطَأً" (١) كما قال جل ثناؤه: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً) [سورة الإسراء: ٣١]، و"الخطأ" في الأمر.
وحكي في"الصواب" أيضًا"الصوابُ"، و"الصَّوْبُ"، (٢) كما قال: الشاعر: (٣)
| لَعَمْرُكَ إِنَّمَا خَطَئِي وَصَوْبِي | عَلَيَّ وَإِنَّ مَا أَهْلَكْتُ مَالُ (٤) |
| عِبَادُكَ يُخْطِئُونَ وَأَنْتَ رَبٌّ | بِكَفَّيْكَ الْمَنَايَا وَالْحُتُومُ (٥) |
(٢) في المطبوعة والمخطوطة:" أيضًا الصواب، والصوب"، وكأن الصواب ما أثبت. وأخشى أن يكون:
| " والخطأ" و" الخطاء" في الأمر، وحكي في" الصواب | "، يعني المقصور والممدود. |
(٤) نوادر أبي زيد: ٤٧، طبقات فحول الشعراء: ١٤٠، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤١، اللسان (صوب)، من أبيات يقولها لامرأته: أَلا قالَتْ أُمَامَةُ يَوْمَ غُوْلٍ:... تَقَطَّعَ بِابنِ غَلْفاء الحِبالُ
| ذَرِيني إنَّما خَطَئِي وصَوْبي | ................... |
| فَإِنْ تَرَنِي أُمَامَة قَلَّ مالِي | وَأْلَهانِي عَنِ الغَزْوِ ابْتِذَالُ |
| فَقَدْ ألْهُو مَعَ النَّفَرِ النَّشَاوَى | لِيَ النَّسَبُ المُوَاصَلُ والخِلالُ |
| سَلامَكَ رَبَّنا فِي كُلِّ فَجْرٍ | بَرِيئًا ما تَلِيقُ بِكَ الذًّمُومُ |
| غَدَاةَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ | ألاَ يا ليت أُمَّكُمُ عَقِيمُ |