فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ( ٩٨ ) وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ( ٩٩ ) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ( يونس : ٩٨-١٠٠ ).
المعنى الجملي : هذه الآيات الثلاث تكملة لما قبلها، وبيان لسنن الله تعالى في الأمم مع رسلهم، وفي خلق البشر مستعدين للإيمان والكفر والخير والشر، وفي تعلق مشيئة الله وحكمته بأفعاله وأفعال عباده ووقوعها وَفْقهما، فبعد أن بين أن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم- أتبعه بذكر هذه الآيات للدلالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم، وانتفعوا بذلك الإيمان.
تفسير المفردات :
والإذن بالشيء : الإعلام بإجازته والرخصة فيه ورفع الحجر عنه. والرجس : لغة الشيء القبيح المستقذر، والمراد به هنا العذاب.
الإيضاح :
وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله أي وما كان لنفس بمقتضى ما أعطاها الله من الاختيار والاستقلال في الأفعال، أن تؤمن إلا بإرادة الله ومقتضى سننه في الترجيح بين المتقابلين، فالنفس مختارة في دائرة الأسباب والمسببات، ولكنها غير مستقلة في اختيارها استقلالا تاما- بل مقيدة بنظام السنن والأقدار الإلهية.
ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون أي إذا كان كل شيء بإذنه وتيسيره ومشيئته التي تجري بقدره فهو يجعل الإذن وتيسير الإيمان للذين يعقلون آياته ويوازنون بين الأمور، فيختارون خير الأعمال ويتقون شرها، ويرجّحون أنفعها على أضرها بإذنه تعالى وتيسيره، ويجعل الخذلان والخزي المرجح للكفر والفجور على الذين لا يعقلون ولا يتدبرون إذ هم لخطل رأيهم وسلوك سبيل الهوى يرجحون الكفر على الإيمان والفجور على التقوى.
تفسير المراغي
المراغي