ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن يضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل( ١ )( ١٠٨ ) :
إذن : فالحق سبحانه لم يقصّر مع الخلق، فقد خلق لكم العقول، وكان يكفي أن تفكروا بها لتؤمنوا من غير مجيء رسول، وكان على هذه العقول أن تفكر في القويّ الذي خلق الكون كله، بل هي التي تسعى لتطلب أن يرسل لها القوى رسولا بما يطلبه سبحانه من عباده، فإذا ما جاء رسول ليخبرهم أنه رسول من الله ويحمل البلاغ منه، كان يجب أن تستشرف آذانهم لما يقول.
إذن : كان على العباد أن يهتدوا بعقولهم ؛ ولذلك نجد أن الفلاسفة حين بحثوا عن المعرفة، قالوا : إن هناك " فلسفة مادية " تحاول أن تتعرف على مادية الكون، وهناك " فلسفة ميتافيزيقية " ( ٢ ) تبحث عما وراء المادة.
فمن أعلم الفلاسفة-إذن-أن هناك شيئا وراء المادة.
وكان العقل المجرد ساعة يرى نظم الكون الدقيقة كان يجب أن يقول : إن وراء الكون الواضح المحسّ قوة خفية.
ولم يذهب الفلاسفة إلى البحث فيما وراء المادة، إلا لأنهم أخذوا من المادة أن وراءها شيئا مستورا.
والمستور الذي وراء المادة هو الذي يعلن عن نفسه، فهو أمر لا نعرفه بالعقل.
وقديما ضربنا مثلا في ذلك، وقلنا : وهب أننا جالسون في حجرة، ودقّ جرس الباب، فعلم كل من في الحجرة أن طارقا بالباب، ولم يختلف أحد منهم على تلك الحقيقة.
وهذا ما قاله الفلاسفة حين أقرّوا بوجود قوة وراء المادة، ولكنهم تجاوزوا مهمتهم، وأرادوا أن يعرفونا ماهية أو حقيقة هذه القوة، ولم يلتفتوا إلى الحقيقة البديهية التي تؤكد أن هذه القوة لا يمكن أن تعرف بالعقل ؛ لأننا ما دمنا قد عرفنا أن الباب طارقا يدق ؛ فنحن لا نقول هو، ولا نترك المسألة للظن، بل نتركه هو الذي يحد لنا من هو، وماذا يطلب ؟ لأن عليه هو أن يخبر عن نفسه.
اطلبوا منه أن يعلن عن اسمه وصفاته، وهذه مسائل لا يمكن أن نعرفها بالعقل.
إذن : فخطأ الفلاسفة أنهم لم يقفوا عند تعقّل أن هناك قوة من وراء المادة، وأرادوا أن ينتقلوا من التعقل إلى التصور، والتصورات لا تأتي بالعقل، بل بالإخبار.
وهنا يقول الحق سبحانه : قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم.. ( ١٠٨ ) [ يونس ] : والحق-كما نعلم- هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبدا، وأن يأتي الحق من الرب الذي يتولى التربية بعد أن خلق من عدم وأمد من عدّم( ٣ )، ولا يكلفنا بتكاليف الإيمان إلا بعد البلوغ، وخلق الكون كله، وجعلنا خلفاء فيه.
هو-إذن-مأمون علينا، فإذا جاء الحق منه سبحانه وتعالى، فلماذا لا نجعل المنهج من ضمن التربية ؟
لماذا أخذنا تربية المأكل والملبس وسيادة الأجناس ؟
كان يجب-إذن- أن نأخذ من المربّي-سبحانه وتعالى-المنهج الذي ندير به حركة الحياة ؛ فلا نفسدها.
وحين يقول الحق سبحانه : جاءكم الحق( ٤ ) من ربكم.. ( ١٠٨ ) [ يونس ] : فمعنى ذلك أنه لا عذر لأحد أن يقول :" لم يبلغني أحد بمراد الله "، فقد ترك الحق سبحانه العقول لتتعقل، لا أن تتصور.
وجاء التصوّر للبلاغ عن الله تعالى، حين أرسل الحق سبحانه رسولا يقول : أنا رسول من الله، وهو القوة التي خلقت الكون، وكان علينا أن نقول للرسول بعد أن تصدق معجزته : أهلا، فأنت من كنا نبحث عنه، فقل لنا : ماذا تريد القوة العليا أن تبلغنا به ؟
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية : فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه.. ( ١٠٨ ) [ يونس ]
لان حصيلة هدايته لا تعود على من خلقه وهداه، بل تعود عليه هو نفسه انسجاما مع الكون، وإصلاحا لذات النفس، وراحة بال، واطمئنانا، وانتباها لتعمير الكون بما لا يفسد فيه، وهذا الحال عكس ما يعيشه من ضل عن الهداية.
ويقول الحق سبحانه عن هذا الصنف من الناس : ومن ضل فإنما يضل عليها.. ( ١٠٨ ) [ يونس ] وكلمة ضل تدل على أن الإنسان الذي يضل كانت به بداية هداية، لكنه ضلّ عنها.
وينهي الحق سبحانه الآية بقوله : وما أنا عليكم بوكيل( ١٠٨ ) [ يونس ] : وأنت لا توكّل إنسانا إلا لأن وقتك لا يسع، وكذلك قدرتك وعلمك وحركتك، وهنا يبلغ الرسول القوم : أنا لا أقدر أن أدفع عنكم الضلال، أو أجبركم على الهداية ؛ لأني لست وكيلا عليكم، بل عليّ فقط مهمة البلاغ ( ٥ ) عن الله سبحانه وتعالى، وهذا البلاغ إن استمعتم إليه بخلاء القلب من غيره، تهتدوا.
وإذا اهتديتم ؛ فالخير لكم ؛ لأن الجزاء سيكون خلودا في نعيم تأخذونه مقابل تطبيق المنهج الذي ضيّق على شهوات النفس، ولكنه يهدي حياة نعيم لا يفوته الإنسان، ولا تفوت النعم فيه الإنسان.
وإذا كان الإنسان منّا يقبل أن يتعب ؛ ليتعلّم حرفة أو عملا أو صنعة أو مهنة ؛ ليكسب الإنسان من إتقان هذا العمل بقية عمره.
أليس على هذا الإنسان أن يقبل على العبادة التي تصلح باله، وتسرع به إلى الغاية انسجاما مع النفس، ومع المجتمع، وتقويما وتهذيبا لشهوات النفس، وينال من بعد ذلك خلود النعيم في الآخرة.
أما من يستكثر على نفسه الجدّ والاجتهاد في تحصيل العلم، أو تعلم مهنة أو حرفة، فهو يحيا في ضيق وعدم ارتقاء، فهو لا يبذل جهدا في التعلم.
ونرى من يتعلم ويبذل الجهد، وهو يرتقي في المستوى الاجتماعي والاقتصادي ؛ ليصل إلى درجة الدكتوراة-مثلا-أو التخصص الدقيق الذي يأتي له بسعة الرزق.
وكلما كانت الثمرة التي يريدها الإنسان أينع( ٦ ) وأطول عمرا كانت الخدمة من أجلها أطول.
وقارن بين خدمتك لدينك في الدنيا بما ينتظرك من نعيم الآخرة ؛ وسوف تجد المسافة بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة شاسعا، ولا مقارنة.
وقول الحق سبحانه : زمن ضل( ٧ ) فإنما يضل عليها( ١٠٨ ) [ يونس ] : تجد فيه كلمة عليها وهي تفيد الاستعلاء على النفس، أي : أنك بالضلال-والعياذ بالله- تستعلي على نفسك، وتركب رأسك إلى الهاوية.
وفي المقابل تجد الحق سبحانه : فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه.. ( ١٠٨ ) [ يونس ] :
وتجد " اللام " هنا تفيد الملك ؛ لذلك يقال :" فلان له " و " فلان عليه ".

١ الوكيل: الكفيل الموكل بأرزاق الناس وأمورهم، والحفيظ الذي يحفظ أعمال الناس. قال سبحانه:.. وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل(١٠٧)[النعام]، وقد نفى الله سبحانه هذا عن نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم..
٢ الفلسفة: لفظ يوناني ومعناه البحث عن الحقيقة. والميتافيزيقا: ما رواء الطبيعة والكون. أي: الغيبيات التي لا تخضع لقوانين المادة..
٣ العدم والعدم والعدم: فقدان الشيء وذهابه. ومثله في ضبط حروف الكلمة: الرشد والرشد-الحزن والحزن. ومثله قوله تعالى:لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..(٢٥٦)[البقرة]. وقوله تعالى:.. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا(١٠)[الكهف]..
٤ الحق: المر الثابت ضد الباطل، والحق من أسماء الله الحسنى، والحق القرآن، والحق العدل والصدق والحكمة والبعث وكمال الأمر، والحق الواقع الثابت الذي لا خلاف فيه، قال تعالى:ألا إن لله مات في السماوات والأرض إلا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون(٥٥)[يونس]، والحق ما وجب عليك لغيرك[القاموس القومي بتصرف ص ١٦٥، ١٦٤]..
٥ وقد ورد تأكيد هذا في آيات كثيرة من القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى:فإن اعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ..(٤٨)[الشورى]. وقال تعالى:.. وما على الرسول إلا البلاغ المبين(٥٤)[النور]. فكل المطلوب من الرسول هو إبلاغ رسالته، وأن يكون هذا البلاغ مبينا جليا وواضحا..
٦ أينع نضجا. والينع: النضج. ومنه قوله تعالى:انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه..(٩٩)[الأنعام]..
٧ ضل الكافر: غاب عن الحجة المقنعة، وعدل عن الطريق المستقيم، ولم يعرف الحق. والضلال: النسيان والضياع. وضل الشيء: خفي وغاب فهو فعل لازم، وضل المسافر الطريق متعد: لم يعرفه.[القاموس القويم ص ٣٩٤-بتصرف]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير