أتبع النهى عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر، أنّ الله عزّ وجلّ هو الضارّ النافع، الذي إن أصابك بضرّ لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد، فكيف بالجماد الذي لا شعور به. وكذلك إن أرادك بخير لم يردّ أحد ما يريده بك من فضله وإحسانه، فكيف بالأوثان؟ فهو الحقيق إذاً بأن توجه إليه العبادة دونها، وهو أبلغ من قوله إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ. فان قلت: لم ذكر المس في أحدهما، والإرادة في الثاني؟ قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً: الإرادة والإصابة في كل واحد من الضرّ والخير، وأنه لا رادّ لما يريده منهما، ولا مزيل لما يصيب به منهما، فأوجز الكلام بأن ذكر المسّ وهو الإصابة في أحدهما، والإرادة في الآخر، ليدلّ بما ذكر على ما ترك، على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله تعالى يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ والمراد بالمشيئة: مشيئة المصلحة.
[سورة يونس (١٠) : آية ١٠٨]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)
قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ فلم يبق لكم عذر ولا على الله حجة، فمن اختار الهدى واتباع الحق فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فما ضرّ إلا نفسه، واللام وعلى: دلا على معنى النفع والضر. وكل إليهم الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل. وفيه حث على إيثار الهدى واطراح الضلال مع ذلك وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ بحفيظ موكول إلىّ أمركم وحملكم على ما أريد، إنما أنا بشير ونذير.
[سورة يونس (١٠) : آية ١٠٩]
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)
وَاصْبِرْ على دعوتهم واحتمال أذاهم وإعراضهم حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لك بالنصرة عليهم والغلبة. وروى أنها لما نزلت جمع رسول الله ﷺ الأنصار فقال «إنكم ستجدون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني «١» » يعنى أنى أُمرت في هذه الآية بالصبر على ما سامتنى الكفرة فصبرت فاصبروا أنتم على ما يسومكم الأمراء الجورة، قال أنس: فلم نصبر. وروى أنّ أبا قتادة تخلف عن تلقى معاوية حين قدم المدينة وقد تلقته الأنصار، ثم دخل عليه من بعد، فقال له: مالك لم تتلقنا؟ قال: لم تكن عندنا دواب. قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها
في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، إنكم ستلقون بعدي أثره. قال معاوية: فماذا قال؟ قال: قال «فاصبروا حتى تلقوني» قال فاصبر. قال: إذن نصبر. فقال عبد الرحمن بن حسان «١» :
| أَلَا أبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ | أمِيرَ الظّالِمِينَ نَثَا كَلَامِى |
| بِأَنّا صَابِرُونَ فَمُنْظِرُوكُمْ | إلَى يَوْمِ التَّغَابُنِ وَالْخِصَامِ «٢» |
قال: لم تكن لنا دواب. فقال معاوية: فأين النواضح. قال أبو قتادة. عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر.
ثم قال أبو قتادة: إن رسول الله ﷺ قال: أما إنكم سترون بعدي أثرة. قال معاوية: فما أمركم؟ قال:
أمرنا أن نصبر حتى تلقاه. قال: فاصبروا حتى تلقوه. فقال عبد الرحمن بن حسان حين بلغه ذلك- فذكر البيتين.
وقال: يا أمير المؤمنين. [.....]
(٢). لعبد الرحمن بن حسان، حين دخل معاوية بن أبى سفيان بن حرب المدينة، فتلقته الأنصار وتخلف أبو قتادة، ثم دخل عليه فقال له: مالك تخلفت؟ فقال: لم يكن عندنا دواب. قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ستلقون بعدي أثرة. قال معاوية، فماذا قال؟ قال: فاصبروا حتى تلقوني. قال: فاصبروا. قال: إذا نصبر. والثناء يقال للخير، وقد يقال الشر. والنثا:
خاص بالشر. وروى «نثا كلامى» ومنظروكم: ممهلوكم. أى أنت وقومك. والتغابن: ظهور الغبن العمال في تجارات الأعمال. والخصام: المخاصمة والمجادلة، أى إلى يوم القيامة.
(٣). تقدم إسناده في آل عمران. ويأتى في آخر القرآن.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم