أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ الَّذِينَ آمَنُواْ وكَانُواْ يَتَّقُونَ٦٣ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ٦٤
لما بين تعالى لعباده سعة علمه، ومراقبته لعباده، وإحصاءه أعمالهم عليهم، وجزاءهم عليها، وذكرهم بفضله، وما يجب عليهم من شكره، بين لهم في هذه الآيات الثلاث حال الشاكرين المتقين، الذين لهم أحسن الجزاء في يوم الدين.
فقال : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ افتتحت هذه الجملة بكلمة ( ألا ) للتنبيه وتوجيه الفكر لها، والأولياء جمع ولي، وهو وصف من الولاء والتوالي، ومن الولاية والتولي، فيطلق على القريب بالنسب بالمكانة والصداقة، وعلى النصير، والمتولي للأمر والحكم، أو على اليتيم والقاصر المدبر لشؤونه، ويوصف به العبد والرب تعالى كما تقدم في قوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا [ البقرة : ٢٥٧ ] وفصلنا الكلام في تفسيره بما بينا به ولاية الله العامة والخاصة لعباده، وولايتهم له، أو للشيطان والطاغوت، وولاية بعضهم لبعض، وضلال بعضهم بجعل ولاية الله الخاصة به لبعض عباده، وهم الذين يسمونهم أولياء الله بما يسلبهم استحقاق هذا اللقب، وذكرنا في شواهد ذلك التفسير هذه الآية.
أولياء الله أضداد أعدائه المشركين به، الكافرين بنعمه، فهم المؤمنون المتقون كما نطقت به الآية، وهم درجات : أعلاهم درجة هم الذين يتولونه بإخلاص العبادة له وحده، والتوكل عليه، وحبه والحب فيه، والولاية له، فلا يتخذون له أندادا يحبونهم من نوع حبه، ولا يتخذون من دونه وليا ولا شفيعا يقربهم إليه زلفى، ولا وكيلا ولا نصيرا فيما يخرج عن توفيقهم لإقامة سننه في الأسباب والمسببات، ويتولون رسوله والمؤمنين بما أمرهم به، قال تعالى : وأنذر الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه من ولي ولا شفيع لعلهم يتقون [ الأنعام : ٥١ ] وقال : ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون [ السجدة : ٤ ] وقال : قل من الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من الله وليا ولا نصيرا [ الأحزاب : ١٧ ] وقال في آيتين أخريين منها وكفى بالله وكيلا [ النساء : ٨١ ] والآيات كثيرة في توليهم له بالطاعة، وتوليه لهم بالهداية والعناية والإعانة والنصر والتوفيق.
وحسبنا هنا ما نفاه عنهم، وما وصفهم به، ثم ما زفه إليهم من البشارة :
فأما ما نفاه مخبرا به عنهم فقوله : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وهو ما نفاه عن جميع المؤمنين الصالحين والمصلحين والمتقين في الآيات الكثيرة ( راجع ٢ : ٦٢ و ٥ : ٧٢ و ٦ : ٤٨ و٧ : ٤٣ و٤٩ وقد تقدم تفسيرها ). فأما في الآخرة حيث يتحقق هذا على أتم وجه -وهو المقصود بالذات- فلا خوف يقع عليهم ويرهقون به مما يخاف الكفار والفساق والظالمون من أهوال الموقف وعذاب الآخرة، كما قال تعالى بعد ذكر إبعادهم عن جهنم لا يحزنهم الفزع الأكبر [ البقرة ١٠٣ ] الآية، ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم، وأما في الدنيا فلا يخافون مما يخاف غيرهم من الكفار وضعفاء الإيمان وعبيد الدنيا من مكروه يتوقع كلقاء العدو، قال : فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [ آل عمران : ١٧٥ ] أو بخس في الحقوق، أو رهق يغشاهم بالظلم والذل، قال : فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا [ الجن : ١٣ ] ولا هم يحزنون من مكروه أو ذهاب محبوب وقع بالفعل كما قال : لكيلا تأسوا على ما فاتكم [ الحديد : ٢٣ ] والمراد أنهم لا يخافون في الدنيا كخوف الكفار، ولا يحزنون كحزنهم، وسنذكر نفي الخوف والحزن عنهم عند الموت. وأما أصل الخوف والحزن فهو من الأعراض البشرية التي لا يسلم منها أحد في الدنيا، وإنما يكون المؤمنون الصالحون أصبر الناس وأرضاهم بسنن الله اعتقادا وعلما بأنه إذا ابتلاهم بشيء مما يخيف أو يحزن فإنما يربيهم بذلك لتكميل نفوسهم وتمحيصها بالجهاد في سبيله الذي يزداد به أجرهم كما صرحت بذلك الآيات الكثيرة.
ذكر بعض المفسرين في تفسير الآية بعض الأخبار النبوية -ولا يصح منها حديث مرفوع متصل الإسناد- وأقرب ما رووه في تفسيرها إلى اصطلاحهم في الأولياء حديث أبي هريرة المرفوع :" إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء " قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال :" هو قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس " ثم قرأ : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون أخرجه ابن جرير من طريق شيخه أبي هشام الرفاعي- وهو محمد بن يزيد بن كثير العجلي الكوفي- قال البخاري : رأيتهم مجمعين على ضعفه. ورواه أبو داود من حديث عمر بن الخطاب بمثل سند ابن جرير عن أبي زرعة بن عمرو ابن جرير عنه، إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمرو، وقال بعضهم : وأخرجه الحاكم وصححه، ولم أره في تفسير السورة من المستدرك، وما كل ما صححه الحاكم بصحيح. ومتن هذا الحديث مشكل ؛ لأنه يدل على تفصيل الأولياء على الأنبياء وهو مخالف لإجماع علماء المسلمين، موافق لقول بعض أولياء الشياطين : إن الولي أفضل من النبي، من حيث إن ولاية النبي أفضل من نبوته، وهو تأويل شيطاني.
ومن مثله حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا :" يأتي من أفناء الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله، وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ٢، والحديث مطول أخرجه الإمام أحمد من طريق شهر بن حوشب، وفيه مقال لهم أهونه ما اكتفى به الحافظ في التقريب، وهو أنه صدوق كثير الإرسال والأوهام، وذكر في تهذيب التهذيب أن مما قيل فيه أنه يروي المنكرات عن الثقات، وقال ابن حزم : هو ساقط، وقال ابن عدي : ضعيف جدا.
وورد عدة روايات مرفوعة وآثار في تفسير البشرى في الدنيا بالرؤيا الصالحة يراها المسلم أو المؤمن أو تُرى له، وعليه ابن مسعود وأبو هريرة وابن عباس من الصحابة، ومجاهد وعروة بن الزبير ويحيي بن أبي كثير وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح من التابعين وغيرهم. وفسرها بعضهم بآية حم السجدة التي أوردناها آنفا مع تفسيرها. وروي عن ابن عباس وغيره : الأولياء هم الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله لرؤيتهم. ورواه بعضهم مرفوعا، وهو ضعيف، وروي عن أبي حنيفة والشافعي أنهما قالا : إذا لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله تعالى ولي. قال النووي : والمراد بهم العلماء العاملون. فهذه خلاصة الروايات في الآية.
وإننا لم نر في الأحاديث الصحيحة في الأولياء ما هو أقرب إلى كلام الصوفية منه إلى كلام الله عز وجل إلا حديث " من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب " ٣ الخ، وقد انفرد به البخاري، وفي سنده غرابة كمتنه. قال الحافظ ابن رجب : هذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة عن خالد بن مخلد ـ إلى أن قال ـ وهو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة عن خالد، وليس في مسند أحمد، مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم فيه الإمام أحمد وغيره، وقالوا : له مناكير، ثم قال : وقد روي من وجوه أخر لا تخلو كلها من مقال. وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب اختلاف أئمة الجرح والتعديل في خالد، ومنه تصريح جماعة بروايته للمناكير، ومنه : في الميزان للذهبي قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الأزدي : في حديثه بعض المناكير، وهم عندنا في عداد أهل الصدق، ومنه قول ابن سعد : كان منكر الحديث متشيعا مفرطا في التشيع، وكتبوا عنه للضرورة. وذكر بعض هذا الجرح وغيره في مقدمة فتح الباري، وأجاب عنه بما حاصله أن التشيع لا يضر مثله، وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه، وأوردها في كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، قال : بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة " من عادى لي وليا " الحديث اهـ.
أقول : وأما الغرابة في متن هذا الحديث فهو قوله تعالى :" ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به " ٤ الخ، الذي استدلوا به على الحلول والاتحاد، وقد أوله العلماء، وبينت أمثل تأويل له عندي في الكلام على حب الله تعالى من تفسير ( ٩ : ٢٤ ج ١٠ تفسير )، فراجعه يغنك عن ذكره كله هنا.
أولياء الخيال وأولياء الطاغوت والشيطان
ذلك ما فسرنا به الآيتين بشواهد مما في معناهما من الآيات، والقرآن خير ما يفسر به القرآن وأصحه، وكل ما خالفه وخرج عنه فهو باطل، وعززناه بأمثل ما روي من الأخبار والآثار فيهما، فأولياء الله الذين يشهد لهم كتابه بالولاية له هم المؤمنون الصالحون المتقون، ولكن اشتهر بين المسلمين بعد عصر السلف ما يدل على أن الأولياء عالم خيالي غير معقول، لهم من الخصائص في عالم الغيب، والتصرف في ملكوت السماوات والأرض، فوق كل ما ورد في كتاب الله وأخبار رسوله الصادقة في أنبياء الله المرسلين، بل فوق كل ما وصف به جميع الوثنيين آلهتهم وأربابهم التي اتخذوها من دون الله، وينقلون مثل هذه الدعاوى عن بعض من اشتهروا بالولاية ممن لهم ذكر في التاريخ، ومن لا ذكر لهم إلا في كتب الأدعياء الذين فتنوا المسلمين والمسلمات بهم، ممن يسمون بالمتصوفة وأهل الطريق، ينقلون عنهم ما يؤيدون به مزاعمهم الخرافية الشركية، كما ترى فيما ننقله من الشواهد الآتية.
ولئن أنكر عليهم منكر، واحتج عليهم بكتاب ربهم وحديث نبيهم مفسر أو محدث، ليقولون : هذا ضال مضل منكر للكرامات، مخالف للقرآن، وقرؤوا عليه أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وهل هذه الآية كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ والَّذِينَ هَادُواْ والنَّصَارَى والصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ولاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : ٦٢ ] وغيره مما أوردنا من الشواهد آنفا، نعم إن هؤلاء المؤمنين الصالحين درجات، أشرنا آنفا إلى أدناها وأعلاها، وفصلنا القول فيهم في الكلام على حب الله ورسوله من تفسير ( ١٠ : ٢٤ ).
هذه الولاية الخيالية المبتدعة من محدثات الصوفية ألبسوها أولا ثوب الشريعة، وجعلوا للشريعة مقابلا سموه الحقيقة، ثم صاروا يلبسونها عليها لبسا، ويبعدون بها عنها معنى وحسا، بقدر ما يبعدون عن الاتباع، ويوغلون في الابتداع، واعتبر في ذلك بسيرة سلفهم الأولين كالحارث المحاسبي والسري السقطي ومنصور بن عمار والجنيد والشبلي وجمهور رجال رسالة القشيري، ومثل أبي إسماعيل الهروي وسيرة من بعدهم، فإن أكثر أولئك قد رووا الحديث وتفقهوا في الدين، وكانوا يتحرون الاعتصام بالكتاب والسنة، ويحذرون ويحذرون أتباعهم من البدع، ويحثون على اتباع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة آل البيت وحفاظ السنة وعلماء الأمصار كالأربعة وطبقتهم، ولولا هذا لكان بينهم وبين غلاة متصوفة القرون الوسطى ومن بعدهم من المبتدعة والدجالين أصحاب الدعاوى العريضة والخرافات الشنيعة مثل ما بين صوفية البرهمية والإسلام، وكتابهم ( الفيدا ) وكتابه القرآن.
أمرر ببصرك على طبقات الشعراني الكبرى فإنك لا ترى فيها فرقا كبيرا بين سيرة أئمة الحديث والفقه وأئمة التصوف في العبادة والتقوى والعلم والحكمة، ثم انظر في سيرة من بعدهم من صوفية القرون الوسطى ثم قرن المؤلف- وهو العاشر- وتأمل ووازن ترى في أولياء الشعراني المجانين والمجان والقذرين الذين تتناثر الحشرات من رؤوسهم ولحاهم وثيابهم التي لا يغسلونها حتى تبلى أو في السنة مرة واحدة، تجد ذلك البون الشاسع فيهم، وهم مع ذلك يفضلون أنفسهم على الأنبياء، ومنهم من يدعي الاتحاد بالله أو الألوهية.
تأمل ما كتبه في ترجمة الذين يسمونهم الأقطاب الأربعة، فإنك لا تجد فيه لأحد منهم أنه كان ينفع الناس بعلوم الشرع إلا الشيخ عبد القادر الجيلاني، وتجد أن الشيخ أحمد الرفاعي كان يوبخه علماء عصره، ويخاطبونه بلقب الدجال، ويرمونه بالجمع بين النساء والرجال، وأما الدسوقي فكتب عنه أنه كان يتكلم بالعجمي والسرياني والعبراني والزنجي وسائر لغات الطيور والوحوش، ونقل عنه كتابا من هذه اللغات أرسله إلى أحد مريديه، وهو خلط مخترع ليس منها في شيء، وسلاما مثله أرسله مع أحد الحجاج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه قوله :" موز الرموز التهوز، سلاحات أفق، فردنانية أمق، شوامق اليرامق، حيد وفرقيد، وفرغاط الأسباط " الخ، فما معنى هذا وأي فائدة للناس فيه ؟
ونقل عنه كلاما من المعهود من أمثاله الصوفية منه النافع والضار، فمن الحق النافع ما معناه أنه لو لم تغلب عليهم الأحوال لما قالوا في التفسير إلا صحيح المأثور، ومن الضار الذي أفسد على المصدقين بولاية هؤلاء الناس دينهم وهو مما نحن فيه قوله : وكان رضي الله عنه يقول :" أنا موسى عليه السلام في مناجاته، أنا علي رضي الله عنه في حملاته، أنا كل ولي في الأرض خلقته بيدي، ألبس منهم من شئت، أنا في السماء شاهدت ربي على الكرسي خاطبته، أنا بيدي أبواب النار غلقتها، وبيدي جنة الفردوس فتحتها، من زارني أسكنته جنة الفردوس " الخ، وقوله وهو في تفسير الآية :" واعلم يا ولدي أن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا يحزنون متصلون بالله، وما كان ولي متصل بالله إلا وهو يناجي ربه كما كان موسى عليه السلام يناجي ربه، وما من ولي إلا وهو يحمل على الكفار كما كان علي رضي الله عنه يحمل، وقد كنت أنا وأولياء الله أشياخا في الأزل، بين يدي قديم الأزل، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله عز وجل خلقني من نور رسول الله، وأمرني أن أخلع على جميع الأولياء بيدي، فخلعت عليهم بيدي، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا إبراهيم أنت نقيب عليهم، فكنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأخي عبد القادر الخلفي وابن الرفاعي خلف عبد القادر، ثم التفت إلي رسول الله صلى عليه وسلم وقال لي :" يا إبراهيم سر إلى مالك، وقل له يغلق النيران، وسر إلى رضوان، وقل له يفتح الجنان، ففعل مالك ما أمر به، ورضوان ما أمر به " الخ وله ما هو أغرب منه.
وذكر الشعراني أنه أطال في هذا الكلام، وهو من مقام الاستطالة، تعطي الرتبة صاحبها أن ينطق بما ينطق به، وقد سبقه إلى نحو ذلك الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه وغيره فلا ينبغي مخالفته إلا بنص صريح اهـ.
ونقول : إن مثبت هذه الدعاوى المنكرة في عالم الغيب من شؤون رب العالمين وملائكته وأكرم رسله وجنته وناره هو الذي يحتاج في إثباته إلى النص الصريح دون منكره، فإنه يتبع الأصل، والإجماع على أن شيئا من ذلك لا يثبت إلا بنص قطعي، وسنذكر ما انتهت إليه هذه الدعاوى في إفساد الدين، وإضلال الملايين من المسلمين.
جاء في كتب الرفاعية أن الشيخ أحمد الرفاعي مس بيده سمكة فأرادوا شيها بالنار فلم تؤثر فيها النار، فذكروا له ذلك، فقال : وعدني العزيز أن كل ما لمسته يد هذا اللاش حميد لا تحرقه النار في
أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ الَّذِينَ آمَنُواْ وكَانُواْ يَتَّقُونَ٦٣ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ٦٤
لما بين تعالى لعباده سعة علمه، ومراقبته لعباده، وإحصاءه أعمالهم عليهم، وجزاءهم عليها، وذكرهم بفضله، وما يجب عليهم من شكره، بين لهم في هذه الآيات الثلاث حال الشاكرين المتقين، الذين لهم أحسن الجزاء في يوم الدين.
تفسير المنار
رشيد رضا