ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ ﭜﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ ﰿ

وسيحاسبه على أموره كلها، هل أدى واجبه أو قصر، وهل أدى الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقه أو خانها، وهل أحسن أو أساء إلى نفسه أو غيرها من الأهل والجيران والمجتمع، لو قيل ذلك، وقدّر كل إنسان ما يرصد عليه في هذه الشاشة في يوم أو شهر أو سنة أو في العمر كله، لفكّر تفكيرا دقيقا جدا، والتزم درب الاستقامة، حتى لا يعرّض نفسه إلى الإهانة.
وهكذا- ولله المثل الأعلى- رصد الله لحركاتنا، وعلمه بجميع أعمالنا، بل اطلاعه على ما تكنه نفوسنا، يملأ النفس رهبة وخوفا، فسبحانك يا رب لا يسعنا إلا سترك وعفوك ورحمتك، وكفى بهذه الآية باعثا على الطاعة والإيمان، ورادعا عن المعصية والكفر، وكفى بالله حسيبا، وهو أسرع الحاسبين.
أولياء الله- أوصافهم وجزاؤهم
[سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)
الإعراب:
الَّذِينَ آمَنُوا فيه ثلاثة أوجه: النصب على أنه صفة للأولياء أو بدل منهم، أو النصب على المدح أي أخص أو أعني، أو الرفع على الابتداء، وخبره: هُمُ الْبُشْرى.
ويجوز أن تكونْ بُشْرى
مبتدأ، وهُمُ
خبره، والجملة في موضع رفع: خبر الَّذِينَ.

صفحة رقم 210

المفردات اللغوية:
أَوْلِياءَ اللَّهِ أي أحبابه وأصفياؤه والمقرّبون إليه، الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة، هم المؤمنون المتقون كما فسرتهم الآية، فكل من كان تقيا كان لله وليا. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بفوات مأمول.
وَكانُوا يَتَّقُونَ الله بامتثال أمره ونهيهْ بُشْرى
الخبر السارّ، وهي ما بشّر الله به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلّم، وما يريهم في الرؤيا الصالحة، كما في حديث صححه الحاكم:
يراها الرجل أو ترى له، وما يسنح لهم من المكاشفات، وبشرى الملائكة عند النزع فِي الْآخِرَةِ
الجنة والثواب وتلقي الملائكة إياهم مسلّمين مبشرين بالفوز والكرامة. تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
لا خلف لمواعيده لِكَ
المذكور.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى إحاطة علمه بأعمال العباد وبجميع الكائنات ليكون ذلك باعثا لهم على الشكر والعبادة، ذكر حال الشاكرين المتقين الذين حسن جزاؤهم في الآخرة.
التفسير والبيان:
إن أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة والعبادة، ويتولاهم بالكرامة هم الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكانوا يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فكل من كان تقيا كان لله وليا. وأولياء الله هم الذين جمعوا بين الإيمان الصحيح والتقوى. فلا خوف عليهم في الدنيا من مكروه يتوقع، كما قال تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران ٣/ ١٧٥] أي لا تخافوا أولياء الشيطان وأنصاره.
ولا خوف عليهم في الآخرة مما يخاف منه الكفار والعصاة من أهوال الموقف وعذاب القيامة، كما قال تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء ٢١/ ١٠٣].

صفحة رقم 211

ولا هم يحزنون في الدنيا من فوات مأمول، ولحوق مكروه، وذهاب محبوب لأنهم يؤمنون بالقضاء والقدر، ويبتغون رضوان الله، كما لا يحزنون في الآخرة من مخاوف القيامة.
روى البزار عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، من أولياء الله؟
قال: «الذين إذا رؤوا ذكر الله».
ولهم البشرى في الحياة الدنيا بالنصر والاستخلاف في الأرض ما داموا على شرع الله ودينه، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج ٢٢/ ٤١] وقال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور ٢٤/ ٥٥].
ومن بشائر الدنيا لهم الرؤيا الصالحة، روى أحمد والحاكم عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلّم في قوله: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
قال: «هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له».
ومن البشائر بشرى الملائكة لهم بحسن الحال وبالدرجة الرفيعة عند النزع:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل ١٦/ ٣٢].
ولهم البشرى في الحياة الآخرة بحسن الثواب والنعيم المقيم في الجنة، كما قال تعالى:
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ [التوبة ٩/ ٢١].
وتلقي الملائكة لهم يبشرونهم بالجنة، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكُمْ فِيها

صفحة رقم 212

ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ، وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
[فصلت ٤١/ ٣٠- ٣٢].
تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
أي لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده، كقوله تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق ٥٠/ ٢٩] ومنها تبشير المؤمنين بالجنة.
ِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
أي ذلك المذكور وهو البشارة لهم في الدارين بالسعادة هو الفوز العظيم الساحق الذي لا فوز غيره لأنه ثمرة الإيمان والعمل الصالح.
فقه الحياة أو الأحكام:
وضعت هذه الآية الحد الفاصل أمام الأدعياء، فأبانت أن أولياء الله هم المؤمنون الأتقياء،
روى سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم سئل: من أولياء الله؟ فقال: «الذين يذكر الله برؤيتهم».
وقال عمر بن الخطاب- فيما رواه أبو داود- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء، تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة، لمكانهم من الله تعالى. قيل:
يا رسول الله، خبّرنا من هم وما أعمالهم، فلعلنا نحبّهم؟ قال: هم قوم تحابّوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها، فو الله، إن وجوههم لنور، وإنهم على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «١»
.
وما أعظم وأجدى هذه الحوافر للعمل الصالح والاتصاف بصفة أولياء الله، التي ذكرتها هذه الآية، وهي المجموعة في قوله تعالى: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
وفي تلك البشرى إيماء إلى الوعد بنصرهم على الأعداء.

(١) قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب، لكن رواه أحمد عن أبي مالك الأشعري، ورواه ابن جرير عن أبي هريرة.

صفحة رقم 213

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية