وما يؤمن أكثرُهُم بالله أي : وما يصدق أكثرهم بوجود الله في إقرارهم، بوجوده، وخالقيته للأشياء، وأنه الرزّاق المميت. إلا وهم مشركون بعبادة الأصنام، أو باتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو الوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك الجلي والرهبان أرباباً، أو بنسبة التبني إليه، أو بالوقوف مع الأسباب، أو غير ذلك من أنواع الشرك والجلي والخفي. قيل : نزلت في مشركي مكة، وكانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وما ملك : وقيل : في أهل الكتاب.
وقوله تعالى : وكأيِّن من آية... الخ، فيه ذم الغفلة، والإعراض عن التفكر والاعتبار ؛ فإن الحق ـ جل جلاله ـ ما أظهر هذه الكائنات إلا ليعرف بها، وتظهر فيها أسرار ذاته، وأنوار صفاته. قال في لطائف المنن : فما نصبت الكائنات لتراها، ولكن لترى فيها مولاها ؛ فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها ؛ تراها من حيث ظهوره فيها، ولا تراها من حيث كونيتها. قال : ولنا في هذا المعنى :
وقوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون : لا ينجو من الشرك الخفي إلا أهل التوحيد الخاص، وهم الذين غابوا عن الأكوان جملةً بشهود المكون، قد سقط من نظرهم وجود الأغيار، وتطهرت سرائرهم من لوث الأكدار، ولم يبق في مشهدهم إلا الواحد القهار، فلم يعتمدوا على الوسائط والأسباب، برؤية مسبب الأسباب، ولم يركنوا إلى العشائر والأصحاب، فإن التفتوا إلى غيره، غفلةً، أدبهم، وردهم إلى حضرته. هذا شأنهم معه أبداً. جعلنا الله منهم، وخرطنا في سلكهم آمين. لَكَ ما أثبتَ المعالم إلا لِتَراهَا بعَيْنِ مَن لا يَرَاهَا فَارْقَ عَنهَا رُقِيَّ منْ لَيْس يَرضَى حَالةً دُون أن يرى مَولاهَا. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي