وقوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون يندرج تحته مشركو العرب الذين كانوا يعبدون الأصنام ويقولون إنها تقربهم إلى الله زلفى، ويندرج تحته اليهود الذين يقولون : عزير ابن الله، والنصارى الذين يقولون : المسيح ابن الله، كما يندرج تحته كل من نسب الضر والنفع والعطاء والمنع إلى غير الله، وكل من علق أمله ورجاءه على المخلوق، لا على الخالق، وكل من حلف بغير الله، بدلا من أن يحلف باسم الله، وكل من عمل عملا ليرائي به الناس، دون أن يقصد به وجه الله، فهؤلاء جميعا يندرجون بوجه أو آخر تحت قوله تعالى هنا –وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }. روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من حلف بغير الله فقد أشرك ). وروى أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الرقى والتمائم والتولة –أي السحر وما أشبهه- شرك ). وروى أحمد والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من تعلق شيئا وكل إليه ). وروى أحمد من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من علق تميمة فقد أشرك ). وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ). وروى أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله. قال : الرياء ). وخطب أبو موسى الأشعري فقال : " يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل ".
ومن هنا رفع عدد من علماء الإسلام عقيرتهم ضد بعض المظاهر المبتدعة التي يرتكبها العوام عند زيارة مدافن أهل الفضل وأضرحتهم، وإنما رفع أولئك العلماء عقيرتهم ضدها، نصحا منهم لعوام المسلمين، حتى لا يقعوا بسببها تحت طائلة الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وفي طليعة العلماء الذين جاهروا بالنصح في هذا السبيل حجة الإسلام الغزالي نفسه، وهو من كبار العارفين في كتابه الشهير الإحياء ، فقد قال رحمه الله في أواخر كتابه الإحياء عند كلامه على زيارة القبور ما نصه : " زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار، والمستحب في زيارة القبور أن يقف –أي الزائر- مستدبر القبلة، مستقبلا بوجهه الميت، وأن يسلم ولا يمسح القبر، ولا يمسه، ولا يقبله، فإن ذلك من عادة النصارى " وكفى بحجة الإسلام " حجة في هذا المقام.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري