وساعة تسمع " رواد " فافهم أن الأمر فيه منازعة مثل : " فاعل " أو " تفاعل " ومثل : " شارك محمد عليا " أي : أن عليا شارك محمدا ؛ ومحمد شارك عليا ؛ فكل منهم مفعول مرة، وفاعل مرة أخرى.
والمراودة مطالبة برفق ولين بستر ما تريده ممن تريده ؛ فإن كان الأمر مسهلا، فالمراودة تنتهي إلى شيء ما، وإن تأبى الطرف الثاني بعد أن عرف المراد ؛ فلن تنتهي المراودة إلى الشيء الذي كنت تصبو إليه١.
وهكذا راودت امرأة العزيز يوسف عليه السلام، أي : طالبته برفق ولين في أسلوب يخدعه ليخرجه عما هو فيه إلى ما تطلبه.
ومن قبل كان يوسف يخدمها، وكانت تنظر إليه كطفل، أما بعد أن بلغ أشده فقد اختلف الأمر، ولنفرض أنها طالبته أن يحضر لها شيئا ؛ وحين يقدمه لها تقول له " لماذا تقف بعيدا ؟ وتدعوه ليجلس إلى جوارها، وهو لن يستطع الفكاك ؛ لأنه في بيتها ؛ وهي متمكنة منه ؛ فهي سيدة القصر.
وهكذا نجد أن المسألة مجموعة عليه من عدة جهات ؛ فهو قد تربى في بيتها ؛ وهي التي تتلطف وترق معه، وفهم هو مرادها.
وهكذا شرح الحق سبحانه المسألة من أولها إلى آخرها بأدب راق غير مكشوف، فقال تعالى :
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب.. ( ٢٣ ) [ يوسف ]
توضح المبالغة في الحدث ؛ أو لتكرار الحدث، فهي قد أغلقت أكثر من باب، ونحن حين تحرك المزلاج٢ لنؤكد غلق باب، ونحرك المفتاح، ونديره لتأكيد غلق الباب.
فهذه عملية أكبر من غلق الباب ؛ وإذا أضفنا مزلاجا جديدة نكون قد أكثرنا الإغلاق لباب واحد ؛ وهكذا يمكن أن نصف ما فعلنا أننا غلقنا الباب.
وامرأة العزيز قامت بأكثر من إغلاق لأكثر من باب، فقصور العظماء بها أكثر من باب، وأنت لا تدخل على العظيم من هؤلاء في بيته لتجده في استقبالك بعد أول باب، بل يجتاز الإنسان أكثر من باب ليلقى العظيم الذي جاء ليقابله.
ويحمل لنا التاريخ قصة ذلك الرجل الذي رفض أن يبايع معاوية في المدينة، فأمر معاوية باستدعائه إلى قصر الحكم في دمشق.
هذا القصر الذي سبق أن زاره عمر بن الخطاب ؛ ووجد فيه أبهة زائدة بررها له معاوية بحيلة الأريب٣ أنها أبهة٤ ضرورية لإبراز مكانة العرب أمام الدولة الرومانية المجاورة، فسكت عنها عمر٥.
وحين استدعى معاوية الرجل، دخل بصحبة الحرس من باب، وظن أنه سوف يلقي معاوية فور الدخول ؛ لكن الحراسة اصطحبه عبر أكثر من باب ؛ فلم ينخلع قلب الرجل، بل دخل بثبات على معاوية وضن عليه بمناداته كأمير للمؤمنين، وقال بصوت عال :
" السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
ففطن معاوية إلى أن الرجل يرفض مبايعته.
ونعود إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ؛ فنجد أن امرأة العزيز قد غلقت الأبواب ؛ لأن من يفعل الأمر القبيح يعلم قبح ما يفعل، ويحاول أن يستر فعله، وهي قد حاولت ذلك بعيدا عن من يعملون أو يعيشون في القصر، وحدثت المراودة وأخذت وقتا، لكنه فيما يبدو لم يستجب لها.
وقالت هيت لك.. ( ٢٣ ) [ يوسف ]
أي : أنها انتقلت من مرحلة المراودة إلى مرحلة الوضوح في طلب الفعل ؛ بأن قالت : تهيأت لك ؛ وكان رده :
قال معاذ الله.. ( ٢٣ ) [ يوسف ]
والمعاذ هو من تستعيذ به، وأنت لا تستعيذ إلا إذا خارت أسبابك أمام الحدث الذي تمر به علك تجد من ينجدك ؛ فكأن المسألة قد عزت عليه ؛ فلم يجد معاذا إلا الله.
ولا أحد قادر على أن يتصرف هكذا إلا من حرسه الله بما أعطاه له من الحكمة والعلم ؛ وجعله قادرا على التمييز بين الحلال والحرام.
ولبيان خطورة وقوة الاستعاذة نذكر ما ترويه كتب السيرة من أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على ابنة مالك٦ ؛ كانت شديدة الجاذبية، وشعرت بعض من نساء النبي بالغيرة منها، وقالت واحدة منهن لعلها عائشة رضي الله عنها : إن تزوجها ودخل بها قد يفضلها عنا. وقالت للعروس : إن النبي يحب كلمة ما، ويحب من يقولها٧، فسألت الفتاة عن الكلمة، فقالت لها عائشة : إن اقترب منك قولي " أعوذ بالله منك ".
فغادرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :( قد عذت بمعاذ )٨ وسرحها السراح٩ الجميل.
وهناك في قضية السيدة مريم عليها السلام، نجدها قد قالت لحظة أن تمثل لها الملاك بشرا سويا١٠ :
إني أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا ( ١٨ ) [ مريم ]
فهي استعاذت بمن يقدر على إنقاذها.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي١١ إنه لا يفلح الظالمون ( ٢٣ ) [ يوسف ]
وأعطانا هذا القول معنيين اثنين :
الأول : أنه لم يوافق على طلبها بعد أن أوضحت ما تريد.
والمعنى الثاني : أنه طلب المعونة من الله، وهو سبحانه من أنجاه من كيد إخوته ؛ ونجاه من الجب ؛ وهيأ له أفضل مكان في مصر، ليحيا فيه ومنحه العلم والحكمة مع بلوغه لأشده.
وبعد كل هذا أيستقبل كل هذا الكرم بالمعصية ؟ طبعا لا.
أو : أنه قال : أحسن مثوي.. ( ٢٣ ) [ يوسف ]
ليذكر امرأة العزيز بأن لها زوجها، وأن هذا الزوج قد أحسن ليوسف حين قال لها :
أكرمي مثواي عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.. ( ٢١ ) [ يوسف ]
فالصعوبة لا تأتي فقط من أنها تدعوه لنفسها ؛ بل الصعوبة تزداد سوء لأن لها زوجا فليست خالية، وهذا الزوج قد طلب منها أن تكرم يوسف، وتختار له مكان إقامة يليق بابن، ولا يمكن أن يستقبل ذلك بالجحود والخيانة.
وهكذا يصبح قول يوسف : إنه ربي.. ( ٢٣ ) [ يوسف ]
قد يعود على الله سبحانه ؛ وقد يعود على عزيز مصر. وتلك ميزة أسلوب القرآن ؛ فهو يأتي بعبارة تتسع لكل مناطات الفهم، فمادام الله هو الذي يجازي على الإحسان، وهو من قال في نفس الموقف :
وكذلك نجزي المحسنين ( ٢٢ ) [ يوسف ]
فمعنى ذلك أن من يسيء يأتي الله بالضد ؛ فلا يفلح ؛ لأن القضيتين متقابلتان :
وكذلك نجزي المحسنين ( ٢٢ ) [ يوسف ]
و لا يفلح الظالمون ( ٢٣ ) [ يوسف ]
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ولقد همت١٢ به وهم بها لولا أن رأى برهان١٣ ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين١٤ ( ٢٤ )
٢ - الزلاج والمزلاج: مغلاق الباب، سمى بذلك لسرعة انزلاجه، وقد أزلجت الباب أي أغلقته والمزلاج: المغلاق إلا أنه ينفتح باليد، والمغلاق لا يفتح إلا بالمفتاح [لسان العرب- مادة: زلج]..
٣ - الأريب: العاقل، والإرب والأرب: الدهاء والبصر بالأمور، وهو من العقل، وأصل الإرب: الدهاء والمكر [لسان العرب- مادة: أرب]..
٤ - الأبهة: العظمة والبهاء: والأبهة: العظمة والكبر، ورجل ذو أبهة أي ذو كبر وعظمة. [لسان العرب- مادة: أبه]..
٥ - ذكر أبو علي القلي في أماليه [٢/١٣٦]: "قال المغيرة بن شعبة: كان عمر إذا نظر إلى معاوية يقول: هذا كسرى العرب"..
٦ - جاء في الطبري أنها ملكة بنت داود الليثية [٣/١٢٣] أو فاطمة بنت الضحاك الكلابية [٣/١٣٩]..
٧ - قال ابن حجر في الفتح [٩/ ٣٥٩]: "وقع عند ابن سعد [في الطبقات] أن عائشة وحفصة دخلت عليها أول ما قدمت فمشطتاها وخضبتاها وقالت لها إحداهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه من المرأة إذا داخل عليها أن تقول أعوذ بالله منك"..
٨ - أخرجه البخاري في صحيحه [٥٢٥٥] كتاب الطلاق من حديث أبي أسيد رضي الله عنه..
٩ - السراح: مصدر أو اسم مصدر بمعنى الطلاق: فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (٢٨) [الأحزاب] أي: طلاقا حسنا ليس فيه كيد ولا إيذاء [القاموس القويم ١/ ٣٠٩]..
١٠ - السوي من الرجال: من ليس في خلقه عيب وليس في بدنه مرض ولا آفة، فقوله: {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (١٠) [مريم] أي: حالة كونك كامل الخلق لا خرس بك ولا بكم ولا أي عجز، وقوله: فتمثل لها بشرا سويا (١٧) [مريم] مستوى الخلق في صورة إنسان كامل جميل وضيء. [القاموس القويم ١/ ٣٣٩]..
١١ -ا لمثوى: اسم مكان أو مصدر ميمي، قال تعالى: وبئس مثوى الظالمين (١٥١) [آل عمران] اسم مكان قصد به النار، وقال تعالى: أكرمي مثواه..(٢١) [يوسف] أي: إقامته: أي: أكرمي يوسف وعبر باسم المكان عن الحال فيه مجازا مرسلا علاقته المجازية [القاموس القويم ١/ ١١٣]..
١٢ - هم بالفعل يهم به هما: قصده واتجه إليه بنيته ولم يفعله، قال تعالى: إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكيف أيديهم..(١١)[المائدة] أي: عزموا واتجهت نيتهم إلى حربكم والتعدي عليكم وإيذائكم فكفهم الله، وقال تعالى في قصة يوسف عليه السلام: ولقد همت به وهم بها..(٢٤) [يوسف] همت به: هم عزم وتصميم، وهم بها هم ترك وإعراض ومقاومة، أي: هم بمقاومتها والله أعلم. [القاموس القويم: ٢/ ٣٠٧ بتصرف]..
١٣ - البرهان: الحجة البينة الفاصلة، قال تعالى: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (١١١) [البقرة] وقوله: لولا أن رأى برهان ربه..(٢٤) [يوسف] أي: لولا أن رأى حجة ربه التي ثبتته على الحق وصرفته عما هم به- أو لولا أن رأى برهان ربه، أي الدليل على قدوم سيده وحضوره، وقدر الله مجيء سيده إلى البيت في هذا الوقت ليصرف عنه السوء، [القاموس القويم ١/ ٦٥]..
١٤ - أخلصه الله: جعله صافيا نقيا طاهرا، واسم المفعول "مخلص" بفتح اللام، قال تعالى: إنه من عبادنا المخلصين (٢٤) [يوسف] أي: الأصفياء الأتقياء المطهرين. [القاموس القويم ١/ ٢٠٢].
تفسير الشعراوي
الشعراوي