يوسف أعطى النبوة وأوحي إليه في البئر، ومن فسر الأشد بثلاث وثلاثين سنة قال: معناه أنه لما بلغ هذه السن زدناه علمًا وفهمًا بعد النبوة.
قال ابن الأنباري (١): قال اللغويون الحكم والحكمة أصلها حبس النفس عن هواها ومنعها مما يشينها (٢). فجائز أن يعني بهما النبوة، وممكن أن يعبرا عن العقل والفهم؛ لأن كل واحد من الثلاثة يحبس النفس على رشدها ويبعدها عن غيها.
وقال أبو إسحاق (٣) في قوله آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا: أي جعلناه حكيمًا عالمًا، وليس كل عالم حكيمًا، الحكيم: العالم المستعمل علمه، الممتنع من استعمال ما يجهل فيه.
وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أي مثل ما وصفنا من تعليم يوسف نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال ابن عباس (٤): يريد نفعل بالموحدين، وقال أبو روق عن الضحاك (٥): يعني: الصابرين عن النوائب، كما صبر يوسف.
٢٣ - قوله تعالى وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ يعني: امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها، طلبت منه أن يواقعها، يقال: راود فلان جاريته عن نفسها، وروادته هي عن نفسه، إذا حاول كل واحد من صاحبه الوطء والجماع، ومعنى المراودة في اللغة: المطالبة بأمر للعمل به، قال الزجاج (٦): المعنى أنها راودته عما يريد النساء من الرجال.
(٢) في (ج): (لا تشتهي).
(٣) "معاني القرن وإعرابه" ٣/ ٩٩.
(٤) أخرج الطبري عن ابن عباس قوله الْمُهْتَدِينَ في: "الدر" ٤/ ٢٠، و"زاد المسير" ٤/ ٢٠١.
(٥) الثعلبي ٧/ ٧٠ ب، القرطبي ٩/ ١٦٢.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٩٩.
وقوله تعالى: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ أي أغلقتها، وأصل (١) هذا من قولهم في كل شيء نَشَبَ في شيء فلزمه: قد غلق، يقال: غلق في الباطل، وغلق في غضبه، ومنه: غلق الذهن، ثم يعدّى ما بالألف فيقال: أغلق الباب، إذا جعله بحيث يعسر فتحه، واغلاق القاتل إسلامه إلى ولي المقتول، وذلك أنه صبر بحيث لا يفك منه بعد ذلك، وقد نشب في حيث لا منجا له (٢)، قال المفسرون (٣): وإنما قال (غَلَّقت) على التكثير؛ لأنها غلقت سبعة أبواب ثم دعته إلى نفسها.
وقوله تعالى: وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ هيت: اسم للفعل نحو: رويد، وصه، ومه، وبابه، ومعناه: هلم في قول جميع أهل اللغة (٤)، قال الفراء: ولا مصدر له ولا تصرف، قال الأخفش: هيت لك، مفتوحة الهاء والتاء معناها: هلم، ويجوز كسر التاء ورفعه، وكسر بعضهم الهاء وفتح التاء، كل ذلك بمعنى واحد، قال أبو الفضل المنذري: أفادني ابن اليزيدي (٥) عن أبي زيد قال: هيت لك بالعبرانية هيتا لج (٦) أي: تعاله، أعربه (٧) القرآن.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٦٨٦، و"لسان العرب" ٦/ ٣٢٨٣.
(٣) الثعلبي ٧/ ٧١ أ، الطبري ١٢/ ١٧٩، البغوي ٤/ ٢٢٧.
(٤) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨١٦ (هيت)، و"لسان العرب" ٨/ ٤٧٣٢ (هيت)، و"مجاز القرآن" ١/ ٣٠٥.
(٥) ابن اليزيدي هو: أبو جعفر أحمد بن محمد اليزيدي، كان متقنًا للعلوم، رواية للشعر والأخبار، شاعرًا، توفي قبل سنة ٢٦٠ هـ. انظر: "تاريخ العلماء النحويين" ص ٢٢٥.
(٦) في (أ)، (ب): (هنالخ) والصحيح ما أثبته كما في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨١٦.
(٧) في (ج): (إعرابه).
وقال الفراء (١): إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها (٢).
قال ابن الأنباري (٣): وهذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران، كما اتفقت العرب والروم في القسطاس، [ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق] (٤)، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل، في حروف كثيرة، قال: ولا تثنية في هيت ولا جمع ولا تأنيث، يقال للرجلين: هيت لكما، وللجماعة هيت لكم، وللنسوة هيت لكن، ويقال: قد هيت الرجل، إذا قال لصاحبه: هيت وهلم.
وأنشد لطرفه (٥):
| هيت الفِتْيَان في مَجْلِسِنَا | جَرَّدُوا منها وِرَادًا وشُقُرْ |
| ليس قَوْمِي بالأبْعَدِين إذا ما | قَالَ دَاعٍ من العَشِيرَةِ هَيْتا |
(٢) ما سبق من "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٨١٦ - ٣٨١٧. بتصرف.
(٣) "زاد المسير" ٤/ ٢٠٢، الرازي ١٨/ ٩١.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٥) والبيت روي بـ (أيها) بدل: هيت، انظر: "ديوانه" ٦٣، و"التكملة" ص ٢٥٥، و"الخزانة" ٤/ ١٠٢، و"الخصائص" ٢/ ٣٣٥، و"شرح شواهد الإيضاح" ص ٥٨١، و"شرح المفصل" ٥/ ٦٠، وبلا نسبة في "المحتسب" ١/ ١٦٢، و"اللسان" (غلف) ٦/ ٣٢٨٢.
(٦) البيت من الخفيف وقد نسبه الواحدي إلى طرفة وليس في ديوانه، وقد نسب إلى طرفة بمثل رواية الواحدي في القرطبي ٩/ ١٦٤، و"النكت والعيون" ٣/ ٢٣، ونسب إلى طرفة، ولكن برواية (هَيتُ) بفتح الهاء وضم التاء في الطبري ١٢/ ١٨١ (العلمية)، و"معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٣/ ١٠٠، و"المحتسب" ١/ ٣٣٧، و"مجمع البيان" ٥/ ٣٤٠.
قال: وللعرب فيها لغات أجودها فتح الهاء والتاء، وهي قراءة العامة (١).
قال الزجاج (٢): لأنها بمنزلة الأصوات، ليس فيها فعل يتصرف، ففتحت التاء لسكونها وسكون الياء، واختير الفتح لأن قبل التاء ياءً، كما قالوا: كيف وأين، ومن كسر التاء (٣)، فلأن أصل التقاء الساكنين حركة الكسر، ومن ضمها (٤)، فلأنها في موضع معنى الغايات كأنما قالت: دعائي لك، فلما حذفت الإضافة وتضمنت هيت معناها، بنيت على الضم، كما بنيت حيث، ومنذ، ومن كسر الهاء (٥) وضم التاء فهو على لغة قوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها.
قال أبو علي الفارسي (٦): قال أبو عبيدة: هيت لك، هلم لك، وأنشد لرجل (٧):
أبْلِغْ أمير المؤمنين أخَا العِرَاقِ إذا انْتَهَيْتا
أنَّ العِرَاقَ وأهْلَه عنق إليك فهَيْتَ هَيْتَا
أي: هلم إليها، قال أبو علي: قولهم: هيت فلان بفلان إذا دعاه،
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٠٠.
(٣) قرأ بها ابن محيصن.
(٤) وهي قراءة ابن كثير.
(٥) رواها هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر مع الهمز (هِئتُ) على معنى تهيأتُ لك.
انظر: "السبعة" ٣٤٧، و"إتحاف" ص ٢٦٣.
(٦) "الحجة" ٤/ ٤١٧، بتصرف. "مجاز القرآن" ١/ ٣٠٥.
(٧) في "مجاز القرآن" ١/ ٢٧٩، و"المفصل" ٤/ ٣٢، و"اللسان" (هيت) ٨/ ٤٧٧٢، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص ٣٥٧، و"جمهرة اللغة" ٢٥١، ٤٤٠.
ينبغي أن يكون مأخوذًا من قولهم: هيت لك، كما أن قولهم: أفف، مأخوذ من أف، وجعلوها بمنزلة الأصوات لموافقتها لها في البناء، فاشتقوا منها كما يشتقون الأصوات نحو: دع دع، وسبح، إذا قال: سبحان الله، ولبَّا إذا قال: لبيك، قال: ومثل هذه الكلمة في أن الأخير قد جازت فيه الحركات لالتقاء الساكنين قولهم: كان في الأمر ذَيْتُ وذْيتَ وذيْتِ، قال: و (لك) في قوله هَيْتَ لَكَ للتبيين بمنزلة (لك) في قولهم: هلم لك، والكاف في قولهم رويدك (١)، ومعاك، وأما (٢) ما روى هشام (٣) عن ابن عامر (هئتُ لك) بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، فإنها فعلتُ من الهيئة، والضاء ضمير الفاعل.
قال أبو زيد: هئتُ للأمر هَيئة وتهيأت (٤)، ونظير هذا: فئتُ وتفياتُ، بمعنى رجعت، ويجوز على هذا المعنى تخفيف الهمزة كما يخفف من جئت وشئت. وأنكر (٥) أبو عمر (٦) والكسائي هذه القراءة (٧) وقالا: هئْتُ بمعنى تهيئت باطل، لم يحك عن العرب.
(٢) في (ج): (وأماها روى). بالهاء.
(٣) هشام بن عمار بن نصير، ابن ميسرة السلمي، أبو الوليد، قاض من القراء المشهورين، من أهل دمشق. قال الذهبي: خطيبها ومقرئها ومحدثها وعالمها، توفي سنة ٢٤٥ هـ انظر: "غاية النهاية" ٢/ ٣٥٤، و"ميزان الاعتدال" ٥/ ٤٢٧، و"الأعلام" ٨/ ٨٧.
(٤) في (أ)، (ب): (وهيأت).
(٥) في (أ)، (ج): (وانكسر).
(٦) في (ج): (وأبو عمروا أو الكسائي).
(٧) "مجاز القرآن" ١/ ٣٠٥، والطبري ١٢/ ١٨١، و"معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٤١٠، والثعلبي ٧/ ٧١ أ.
فأما قول المفسرين في هذا، فروي أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس (١): أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ هَيْتَ لَكَ قال: معناه، هلم لك، هو قول الحسن (٢) وابن زيد (٣) وعامة أهل التفسير، وروى وكيع عن النضر ابن عربي عن عكرمة في قوله هَيْتَ لَكَ قال: هلم، وزاد وكيع: وهو بالحورانية (٤).
وقال محمد بن إسحاق (٥): معناه فأنا لك، فقال يوسف عند ذلك: معاذ الله.
قال أبو إسحاق (٦): المعنى: أعوذ بالله أن أفعل هذا، ومعاذ مصدر تقول: عذت عياذًا ومعاذًا ومعاذه، ومعناه: أعتصم بالله من هذا، وتقديره في الكلام: أعوذ معاذًا بالله، فحذف الفعل ونصب المصدر بالفعل المحذوف المراد، وأضيف [المصدر إلى اسم الله تعالى، كما يضاف] (٧) المصدر إلى المفعول، ومثله من الكلام: مررت بعمرو مرور زيد، على أن زيدًا ممرور به، والمعنى: كمروري (٨) يزيد، ومثله:
(٢) الطبري ١٢/ ١٧٩، القرطبي ٩/ ١٦٤.
(٣) الطبري ١٢/ ١٨٠.
(٤) الطبري ١٢/ ١٧٩.
(٥) في الطبري ١٢/ ١٨٠ عن ابن إسحاق قال: تعال. وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٢٢ وفيه تعالى فأنا لك.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٠١.
(٧) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).
(٨) في (ب): (لمروري).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي