ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

لذي الرمة (١):

وقد أَكَلَ الوجِيفُ بكلّ خَرْق عرائِكَهَا وهُلِّلَت الحُرُومُ
وقال غيره (٢): إنما قال للسنين (يأكلن) لوقوع الأكل فيها، كما يقال: ليل نائم. وكقوله:
فنام لَيْلِي تَجَلّى هَمِّي (٣)
ومثله كثير.
وقوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ الإحصان (٤) الإحراز وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن، يقال: أحصنه إحصانًا، إذا جعله في حرز. قال ابن عباس (٥): يريد تخزنون، وعنه (٦) أيضًا تحرزون.
٤٩ - قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ الآية، قال المفسرون (٧): هذا العام لم يعلمه إلا بالوحي من أجل أنه لم يدخل في سؤال السائل؛ قال
(١) "ديوانه" ص ٢/ ٦٧٨.
(٢) "تفسير الطبري" ١٢/ ٢٣١، و"الثعلبي" ٧/ ٨٦ ب، و"ابن عطية" ٧/ ٥٢٨، و"القرطبي" ٩/ ٢٠٤، و"ابن كثير" ٢/ ٥٢٧.
(٣) الرجز لرؤبة في "ديوانه" ص ١٤٢، و"المحتسب" ٢/ ١٦٤ وبلا نسبة في "خزانة الأدب" ٨/ ٢٠٢ و"المقتضب" ٣/ ٥٠.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (حصن) ١/ ٨٤٣، و"اللسان" (حصن)، و"تاج العروس" ١٨/ ١٤٩.
(٥) الطبري ١٢/ ٢٣١، وابن المنذر وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٤، وانظر: "الدر" ٤/ ٤١، وابن عطية ٧/ ٥٢٨.
(٦) الطبري ١٢/ ٢٣١، وابن عطية ٧/ ٥٢٨، وانظر: الثعلبي ٧/ ٨٦ ب، و"زاد المسير" ٤/ ٢٣٣.
(٧) الطبري ١٢/ ٢٣٢، الثعلبي ٧/ ٨٦ أ، ابن عطية ٧/ ٥٢٥.

صفحة رقم 138

قتادة (١): زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.
وقوله تعالى: ذَلِكَ إشارة إلى السبع في قوله: سَبْعٌ شِدَادٌ والسبع (٢) أشبهت المذكر من قبل أنها لا علامة للتأنيث في لفظها، كقوله السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل: ١٨] هذا مذهب الكلبي (٣)، ومذهب مقاتل (٤) أن (ذلك) إشارة إلى الجدب.
وقوله تعالى: فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ قال ابن السكيت (٥): يقال: غاث الله البلاد يغيثها غيثًا، وهي إذا نزل بها الغيث. وقد غيثت الأرض تغاث غيثًا، وهي أرض مغيثة ومغيوثة، فعلى هذا (يغاث الناس) معناه يمطرون، ويجوز أن يكون من قولهم: أغاثه الله، إذا أنقذه من كرب أو غم. ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب.
وقوله تعالى: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ أي يعصرون السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا، وهذا قول ابن عباس (٦) ومجاهد (٧) وقتادة (٨) وأكثر المفسرين (٩) وهذا يدل على ذهاب الجدب وحضور الخصب والخير. وذكرنا معنى العصر في قوله: أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: ٣٦].

(١) الطبري ١٢/ ٢٣٢، الثعلبي ٧/ ٨٦ أ، ابن عطية ٧/ ٥٢٥، عبد الرزاق ٢/ ٣٢٤، ابن المنذر كما في "الدر" ٤/ ٤١.
(٢) "زاد المسير" ٤/ ٢٣٣، عن ابن القاسم الأنباري.
(٣) "تنوير المقباس" ص ١٥٠.
(٤) "تفسير مقاتل" ١٥٤ ب.
(٥) "تهذيب اللغة" (غاث) ٣/ ٢٦١٦.
(٦) الطبري ١٢/ ٢٣٢، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٤١، و"زاد المسير" ٤/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٤.
(٧) الطبري ١٢/ ٢٣٢.
(٨) الطبري ١٢/ ٢٣٣، و"زاد المسير" ٤/ ٢٣٤، وابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٤.
(٩) الثعلبي ٧/ ٢٨٧، و"زاد المسير" ٤/ ٢٣٤، وابن عطية ٧/ ٥٢٩.

صفحة رقم 139

وقال أبو عبيدة (١): يعصرون تفسيره ينجون من العصر وهو المنحاة، ومثله العصرة والمعتصر. [والمعصر] (٢) ومنه قول أبي زبيد (٣):
ولقد كان عُصْرة المَنْجُودِ
أي: ملجأ الكروب.
وقال عدي بن زيد:

لو بغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقْ كُنْتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعْتِصَارِي (٤)
أي: التجائي، وأنشد أيضًا للبيد (٥):
(١) "مجاز القرآن" ١/ ٣١٣.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٣) لأبي زبيد الطائي عجز بيت، وصدره:
صاديًا يستغيث غير مغاث
من قصيدة له يرثي بها اللجاج ابن أخته، وكان من أحب الناس إليه، انظر "ديوانه" ص ٤٤، و"جمهرة أشعار العرب" ص ٢٦٠، و"الاقتضاب" ص ٣٩٠، و"اللسان" (عصر) ٥/ ٢٩٦٩، و"أمالي اليزيدي" ص ٨، و"المحتسب" ١/ ٣٤٥، والطبري ١٢/ ٢٣٣، والقرطبي ٩/ ٢٠٥، و"تهذيب اللغة" (عصر) ٣/ ٢٤٥٨.
(٤) البيت لعدي بن زيد في "ديوانه" ص ٩٣، و"الأغاني" ٢/ ٩٤، و"الحيوان" ٥/ ١٣٨، ٥٩٣.
انظر: "الكتاب" ١/ ٤٦٢، و"مجاز القرآن" ١/ ٣١٤، و"الجمهرة" ٢/ ١٥٤، و"اللسان" (عصر) ٥/ ٢٩٧١، والعيني ٤/ ٤٥٤، و"شواهد المغني" ٢٥٥، و"الخزانة" ٣/ ٥٩٤، ٤/ ٤٦٠، ٥٢٤، و"البحر المحيط" ٥/ ٣١٦، و"تهذيب اللغة" (عصر) ٣/ ٢٤٥٩، و"الشعر والشعراء" ص ١٣٣، وكتاب "العين" ٤/ ٣٤٢.
(٥) البيت للبيد، ويروى: (بغير معصَّر) "ديوانه" ص ٦٨.
انظر: "الكتاب" ١/ ٤١٠، و"الأغاني" ٢/ ٢٦، والشنتمري ١/ ٤٦٢، والجمهرة ٢/ ١٥٤، و"اللسان" (عصر) ٥/ ٢٩٦٩، العيني ٤/ ٤٥٤، و"شواهد المغني" / ٢٥٥، و"الخزانة" ٣/ ٣٩٤، و"مجاز القرآن" ١/ ٢٩٥، ٣١٤، والطبري ١٢/ ٢٣٤، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٥٨.

صفحة رقم 140

فَباتَ وَأَسْرَى القَومُ آخِرَ لَيلِهِم وَما كانَ وَقّافًا بِدَارِ مُعَصَّرِ
وذكر أبو إسحاق (١) أيضًا هذا القول فقال: وإن شئت كان على تأويل ينجون من البلاء ويعتصمون بالخصب، وأنشد بيت عدي (٢).
وقال أبو عبيد (٣): يعصرون يعني به يصيبون ما يحبون، ويأخذون ما يشتهون. وأنشد قول ابن أحمر (٤):
وإنما العَيْشُ بربَّانه (٥) وأنْتَ من أفْنَانِه مُعْتَصِرْ
أي آخذ منها ما شئت.
وروي عن ابن عباس (٦) في رواية الوالبي:
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١١٤.
(٢) ذكر هذا القول الطبري ١٢/ ٢٣٣، وتعقبه فقال: "وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسِّر القرآن على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: "وفيه يعصرون" إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ويزعم أنه من العصر والعُصْرَة التي بمعنى المنجاة... إلى أن قال: وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين. اهـ.
وتعقب ابن عطية ٧/ ٥٣١، الطبري فقال: "ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة ردًّا كثيرًا بغير حجة".
(٣) "تهذيب اللغة" (عصر) ٣/ ٢٤٦١، و"اللسان" (عصر) ٥/ ٢٩٧٠.
(٤) "ديوانه" ص ٦١، وفيه "مقتفر" بدل "معتصر"، وأمالي القالي ١/ ٢٤٥، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٤٨٣، ٤/ ٣٤٤، و"مجمل اللغة" ٢/ ٤٥٧، و"تهذيب اللغة" (عصر) ٣/ ٢٤٦١، و"اللسان" (عصر) ٥/ ٢٩٧٠. وبلا نسبة في "المخصص" ١٢/ ٢٣٢.
(٥) في (ج): (ريانة).
(٦) الطبري ١٢/ ٢٣٣، الثعلبي ٧/ ٨٧ أ، من رواية علي بن طلحة، وتعقب هذا القول الطبري بقوله "قول لا معنى له، لأنه خلاف المعروف من كلام العرب، وخلاف ما يعرف من قول ابن عباس" ١٦/ ١٣٢.

صفحة رقم 141

يعصرون يحلبون. وإلى هذا ذهب أحمد بن عبيد (١) قال: تفسير يعصرون يحلبون الألبان، لسعة خيرهم واتساع خصبهم. واحتج بقول الشاعر (٢):

فما عصمت الأعراب إن لم يكن لهم طعامٌ ولا درٌّ من الماء يُعْصَرُ
أي: يحلب.
وروى ابن الأنباري (٣) عن بعض أصحاب المعاني قال: تفسير يعصرون: يفضلون ويعطون ويحسنون. واحتج بقول طرفة:
لو كان في أمْلاكِنَا واحِدٌ يَعْصرُ فينا كالذي يُعْصَرُ (٤)
أي: يعطينا كالذي يعطى ويفضل ويحسن.
وذكر الأزهري (٥) هذا المعنى في يعصر عن أبي عبيد وأبي عبيدة.
واختار أبو علي الفارسي (٦) القولين الأولين فقال: قوله: يَعْصِرُونَ يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون من العصر الذي يراد به الضغط الذي لحق ما فيه دهن أو ماء نحو الزيتون والسمسم والعنب والتمر، ليخرج ذلك منه. الذي يدل على صحة هذا التأويل ما روي أنهم لم يعصروا في السنين الشداد زيتًا
(١) "زاد المسير" ٤/ ٢٣٤.
(٢) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في "زاد المسير" ٤/ ٢٣٤ برواية: (من المال).
(٣) "زاد المسير" ٤/ ٢٣٥.
(٤) "ديوانه" ص ١٥٤، و"تاج العروس" (عصر) ٧/ ٢٣٠، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٣٤٤، و"اللسان" (عصر) ٥/ ٢٩٧٠، و"كتاب العين" ١/ ٢٩٧، و"مجمل اللغة" ٦٧٢/ ٣.
(٥) "تهذيب اللغة" (عصر) ٣/ ٢٤٦١.
(٦) "الحجة" ٤/ ٤٢٥.

صفحة رقم 142

ولا عنبًا، فيكون المعنى: تعصرون للخصب الذي أتاكم كما كنتم تعصرون أيام الخصب، وقبل الجدب الذي دفعتم إليه.
قال: ويكون يعصرون من العصر الذي هو الالتجاء (١) إلى ما يُقْدَر النجاة به وأنشد لابن مقبل (٢):

وصاحبي وَهْوه مُسْتَوْ [هِلٌ] (٣) زَعِلٌ يَحُولُ بين حِمَارِ الوَحْشِ والعصر
فلقوله: "يغاث الناس" جعل الفاعلين الناس لتقدم ذكرهم. ومن قرأ بالتاء (٤) وجه الخطاب إلى المستفتين كقوله: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ويؤيد القراءة الأولى قرب الناس من الفعل، ويؤيد الثانية أن المخاطبة يجوز أن تكون للمستفتين وغيرهم، إلا أن الخطاب والغيبة إذا اجتمعا غلب الخطاب على الغيبة كما يغلب التذكير على التأنيث.
قال أبو عبيد: في هذه الآيات دليل على أن الرؤيا إنما تكون على ما عبرت عليه إذا أصيب بها وجه العبارة، فإذا عدل عن الصواب في عبارتها
(١) في (ج): (التجاء).
(٢) من قصيدة له قال عنها ابن قتيبة في الشعراء / ٤٢٦: هي أجود شعره. قوله (صاحبي) يريد فرسه، (الوهوه) من الخيل النشيط سريع الجري، (المستوهل): الفزع النشيط، الزعل: النشيط الأشر (العصر): الملجأ. انظر: "ديوانه" ص ٩٦، و"المعاني" ص ٢٦، و"الجمهرة" ٢/ ٣٥٤، و"اللسان" (وهي) ١٣/ ٥٦٣، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٦٧، و"كتاب العين" ٤/ ٨٨، و"تاج العروس" (وهي) ١١٩/ ١٩.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (يعصرون) بالياء وقرأ حمزة والكسائي تعصرون) بالتاء.
انظر: "السبعة" ص ٣٤٩، و"إتحاف" ص ٢٦٥، والطبري ١٢/ ٢٣٣.

صفحة رقم 143

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية