[الجزء الثالث عشر]
[تتمة سورة يوسف][تتمة الفصل الثامن]
بسم الله الرحمن الرحيم
- ٢- النّفس الأمّارة بالسّوء[سورة يوسف (١٢) : آية ٥٣]
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)
البلاغة:
لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أمّارة: من صيغ المبالغة، على وزن «فعّال» مبالغة في وصف النّفس بالاندفاع نحو المعاصي والمهالك.
المفردات اللغوية:
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي من الزّلل أو السّوء. إِنَّ النَّفْسَ جنس النّفس. لَأَمَّارَةٌ كثيرة الأمر، مائلة بالطبع إلى الشّهوات. إِلَّا ما بمعنى «من». والمعنى إلّا من رحم ربّي من النّفوس فعصمه، أو إلا وقت رحمة ربّي، وقيل: إن الاستثناء منقطع، أي ولكن رحمة ربّي هي التي تصرف الإساءة.
والآية على الرّاجح حكاية قول امرأة العزيز: زليخا أو راعيل، والمستثنى نفس يوسف وأمثاله. وقيل: ذلك من قول يوسف، والمعنى: لا أنزهها، تنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتّوفيق.
المناسبة:
هذه الآية من تتمة كلام امرأة العزيز، متّصلة بما قبلها، قال أبو حيان:
الظاهر أن هذا كلام امرأة العزيز، وهو داخل تحت قوله: قالَتِ والمعنى:
ذلك الإقرار والاعتراف بالحقّ، ليعلم يوسف أنّي لم أخنه في غيبته، والذّبّ عنه، صفحة رقم 5
وأرميه بذنب هو منه بريء، ثم اعتذرت عمّا وقعت فيه مما يقع فيه البشر من الشّهوات بقولها: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي، والنّفوس مائلة إلى الشّهوات، أمّارة بالسّوء «١». وكذلك قال ابن كثير: هذا القول أقوى وأظهر: لأن سياق الكلام كله من امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف عليه السّلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك «٢».
التفسير والبيان:
قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحقّ، وليعلم يوسف أنّي لم أخنه في غيبته، وهو سجين، أو ليعلم زوجي أني لم أخنه بيوسف، وأني لم أرتكب الفاحشة، فلم يحدث مني إلا مجرد المراودة أو المغازلة، فامتنع وأبى ولاذ بالفرار، ولا أنزّه نفسي من الزّلل والخطأ، إن النّفوس ميّالة بالطّبع إلى الشّهوات والأهواء.
إلا من رحمه الله الخالق، فصرف عنه السّوء والفحشاء كيوسف وأمثاله.
ولكني لا أيأس من رحمة الله، إنّ ربّي كثير المغفرة، رحيم بالعباد.
وفي قول مرجوح: إن هذه الآية حكاية لقول يوسف، بمعنى: ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجه أثناء غيبته، وحال ثقته بي، وائتمانه على عرضه، وما أبرئ نفسي البشريّة من خواطر القلب، فكلّ نفس ميّالة بالطّبع للشّهوات والأهواء، إلا النّفس التي عصمها الله من الانزلاق في المعاصي، ووفقها للاستقامة، وتلك هي نفس الأنبياء، وسيرة الصّلحاء، إنّ ربّي غفّار لذنوب المخطئين، رحيم بهم إذا بادروا إلى التّوبة والإنابة والتّضرّع إلى الله، ليخلصهم من آثار الذّنوب، ويطهّر نفوسهم من شوائب المعاصي.
(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٢
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي