قوله تعالى: إِلاَّ مَا رَحِمَ : فيه أوجه، أحدُها: أنه مستثنى من الضمير المستكنِّ في «أمَّارَةٌ» كأنه قيل: إن النفس لأمَّارة بالسوءِ إلا نَفْساً رحمها ربِّي، فيكون أراد بالنفس الجنسَ، فلذلك ساغ الاستثناء منها كقولِه تعالى: إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ [العصر: ٢-٣]، وإلى هذا نحا الزمخشري فإنه قال: «إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعِصْمة كالملائكة» وفيه نظرٌ مِنْ حيث إيقاعُ «ما» على مَنْ يَعْقِلُ والمشهورُ خِلافُه.
صفحة رقم 514
والثاني: أنَّ «ما» في معنى الزمان فيكون مستثنى من الزمن العام المقدَّر. والمعنى: إنَّ النفس لأمَّارَةٌ بالسوء في كلِّ وقتٍ وأوانٍ إلا وقتَ رحمةِ ربي إياها بالعِصْمة. ونظرَّه أبو البقاء بقوله تعالى: وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ [النساء: ٩٢]. وقد تقدَّم أن الجمهورَ لا يُجيزون أن تكون «أنْ» واقعةً موقعَ ظرفِ الزمان.
والثالث: أنه مستثنى من مفعول «أمَّارة»، أي: لأمَّارةٌ صاحبَها بالسوءِ إلا الذي رَحِمه اللَّه. وفيه إيقاعُ «ما» على العاقل.
والرابع: أنه استثناءٌ منقطعٌ. قال ابن عطية: «وهو قولُ الجمهور». وقال الزمخشري: «ويجوز أن يكونَ استثناءً منقطعاً، أي: ولكنْ رحمةُ ربي هي التي تَصْرِف الإِساءةَ كقوله: وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا [يس: ٢٣].
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط