ولما جَهَّزَهُم بجَهَازهم أعطاهم ما اشتروا منه من الطعام، وأوقر ركابهم ؛ قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم وهو : بنيامين بكسر الباء على وزن إسرائيل، قاله في القاموس. وقيل : كان يوسف عليه السلام يعطي لكل نفس حملاً، ولا يزيد عليه، فسألوه حِملاً زائداً لأخيهم من أبيهم ؛ فأعطاهم، وشرط عليهم أن يأتوا به ؛ ليعلم صدقهم. ثم قال لهم : ألا ترَوْنَ أني أُوفي الكيلَ وأنا خيرُ المنزِلين للأضيافِ. قال لهم ذلك ؛ ترغيباً في رجوعهم، وقد كان أحسن ضيافتهم غاية الإحسان.
رُوي أنه عليه السلام نادى صاحب المائدة، وقال له : لا تنزل هؤلاء بدار الغرباء، ولا بدار الأضياف، ولكن أدخلهم داري، وانصب لهم مائدة كما تنصبها لي، واحفظهم وأكرمهم. فسأله عنهم، فلم يجب، فبسط لهم الفرش والوسائد، فلما جن الليل أمر أن توضع بين أيديهم الموائد، والشماع، والمجامر، وهم ينظرون من كوة إلى دار الأضياف، وقد بلغ بهم الجهد، فكانوا يعطونهم قرصة شعير لكل أحد من الغرباء، وهم يرون ما بين أيديهم من الإكرام والطعام، وقد بلغ الحمل من الطعام ألفاً ومائتي دينار. فقال بعضهم لبعض : إن هذا المَلك أكرمنا بكرامة ما أكرم بها أحداً من الغرباء ! فقال شمعون : لعل الملك سمع بذكر آبائنا فأكرمنا لأجلهم. وقال آخر : لعله أكرم فقرنا وفاقتنا. ويوسف عليه السلام ينظر إليهم من كوة ويسمع كلامهم، ويبكي. ثم قال لولده ميشا : اشدد وسطك بالمنطقة واخدم هؤلاء القوم، فقال له : من هم يا أبت ؟ فقال : هم أعمامك يا بني، قال : يا أبت هؤلاء الذين باعوك ؟ قال : نعم، باعوني حتى صرت مَلك مصر، ما تقول يا بني، أحسَنُوا أو أساؤوا ؟ قال : بل أحسَنوا فما أقول لهم ؟ قال : لا تكلمهم، ولا تُفش لهم سراً حتى يأذن الله بذلك، فبقوا في الضيافة ثلاثاً أو أكثر، ثم جهزهم، وأرسلهم، وشرط عليم أن يأتوا بأخيه بنيامين.
فكلما علا بالولي المقام خفي عن الأنام، ولا يعرف مراتب الرجال إلا من دخل معهم، وشرب مشربهم، وإلا فهو جاهل بهم. وقوله تعالى : فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي : كذلك الحق ـ جل جلاله ـ يقول لعبده : ائتني بقلبك، فإن لم تأتني به فلا أقبل طاعتك، ولا تقرب إلى حضرتي. قال النبي صلى الله عليه السلام :" إنَّ الله لا يَنْظُرُ إلى صَُوَرِكم ولاَ إلى أَعْمَالِكُمْ، وَإَنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُم ونيَّاتِكُم ". أو كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ. تَرَكْنَا البُحُورَ الزَّاخرَاتِ وَرَاءنَا فَمِنْ أَينَ يَدْرِِي النَّاسُ أين تَوَجَّهْنَا
وقوله تعالى : سنراود عنه أباه : كذلك ينبغي للعبد أن يحتال على قلبه حتى يرده إلى ربه ؛ وذلك بقطع العلائق، والفرار من الشواغل والعوائق، حتى تشرق عليه أنوار الحقائق.
وقوله تعالى : اجعلوا بضاعتَهم في رِحَالِهم ... الآية. كذلك ينبغي للواعظ والمذكر أن يبشر الناس، وينمي بضاعتهم، وهو : الإيمان والمحبة لله ومعرفته، ويجعلها في قلوبهم بحسن وعظه، ونور حاله، فيكون ممن ينهض الناس حاله، ويدل على الله مقاله. ولا يقنط الناس ويفلسهم من الإيمان والمحبة، بل ينبغي أن يجمع بين التبشير والتحذير، والترغيب والترهيب، ويغلب جانب الترغيب بذكر إحسان الله وآلائه.. لعلهم يعرفون ذلك إذا انقلبوا إلى أسبابهم، لعلهم يرجعون إلى الله في غالب أحوالهم. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي