و( إلا أن يحاط ) : استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي : لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم.
قال لن أرْسِلهُ معكم ؛ لأني رأيت منكم ما رأيت، حتى تُؤتون موثقاً من الله ؛ حتى تعطوني ما أثق به من عهد الله، وتحلفوا ليَ الأيمان الموثقة لتأتنني به في كل حال، إلا أن يُحاطَ بكم ؛ إلا أن تغلبوا، ولا تطيقوا الإتيان به.
أو : إلا أن تهلكوا جميعاً ويحيط الموت بكم فلما آتَوْهُ موثقَهم ؛ عهدهم وحلفوا له، قال أبوهم : الله على ما نقولُ من طلب الموثق وإتيان الولد وكيل أي : مطلع رقيب، لا يغيب عنه شيء.
قوله تعالى : فأرسل معنا أخانا... إلخ ؛ قال الأستاذ القشيري : المحبة غيورٌ ؛ لما كان ليعقوب تَسَلٍّ عن يوسف برؤية بنيامين، أبت المحبة إلا أن تظهر سُلطانها بالكمال فغارت على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب بعين يوسف. هـ. قلت : وكذلك الحق تعالى غيور أن يرى في قلب حبيبه شيئاً غيره، فإذا رأى أزاله عنه، وفرق بينه وبين ذلك الشيء، حتى لا يُحب شيئاً سوى محبوبه. هذا مما يجده أهل الأذواق في قلوبهم.
وقوله تعالى في وصية يعقوب : لا تدخلوا من باب واحد ، فيه إشارة إلى أن الدخول على الله لا يكون من باب واحد بحيث يلتزم المريد حالة واحدة وطريقة واحدة ؛ كالعزلة فقط، أو الخلطة فقط، أو الصمت على الدوام، أو ذكر الاسم على الدوام.
بل لا بد من التلوين قبل التمكين وبعده ؛ فالعزلة على الدوام : مقام الضعف، والخلطة من غير عزلة بطالة. بل لا يكون عارفاً حتى يعرف الله، ويكون قلبُه معه في العزلة والخلطة، والصمت والكلام، والقبض والبسط، والفقد والوجد، ويترقى من ذكر الاسم إلى الفكرة والنظرة، كما هو مقرر عند أهل الفن.
وقوله تعالى : عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ، فيه تهييج على مقام التوكل، وحث على الثقة بالله في جميع الأمور. وفي ذلك يقول الشاعر :
قوله :" والخلق أربع " : أراد العالم العلوي والسفلي، والدنيا والآخرة. وكلها أكوان مخلوقة يجب كف البصر والبصيرة عن الميل إليها، والوقوف معها. والله تعالى أعلم. تَوَكَّل على الرَّحمان في كُلِّ حَاجَـةٍ وَثِـقْ بالله، دَبَّـر الخلقَ أجمعْ وضَع عَنكَ هَمَّ الرِّزْقِ ؛ فالرَّبُّ ضَامِنٌ وكفّ عن الْكَونَينِ والخلق أَربع
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي