ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وَلَمَّا فَصَلَتِ العير أي : خرجت منطلقة من مصر إلى الشام. يقال : فصل فصولاً، وفصلته فصلاً، لازم ومتعدّ، ويقال : فصل من البلد فصولاً : إذا انفصل عنه وجاوز حيطانه قَالَ أَبُوهُمْ أي : يعقوب لمن عنده في أرض كنعان من أهله إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ قيل : إنها هاجت ريح فحملت ريح القميص إلى يعقوب مع طول المسافة، فأخبرهم بما وجد، ثم قال : لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ لولا أن تنسبوني إلى الفند، وهو ذهاب العقل من الهرم، يقال : أفند الرجل : إذا خرف وتغير عقله. وقال أبو عبيدة : لولا أن تسفهون، فجعل الفند السفه. وقال الزجاج : لولا أن تجهلون، فجعل الفند الجهل، ويؤيد ذلك قول من قال : إنه السفه قول النابغة :

إلاّ سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند
أي : امنعها عن السفه. وقال أبو عمرو الشيباني : التفنيد : التقبيح، ومنه قول الشاعر :
يا صاحبيّ دعا لومي وَتَفنيدي فليس ما فات من أمري بمردود
وقيل : هو الكذب، ومنه قول الشاعر :
هل في افتخار الكريم من أود أم هل لقول الصدّيق من فند
وقال ابن الأعرابي : لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ لولا أن تضعفوا رأيي. وروي مثله عن أبي عبيدة. وقال الأخفش : التفنيد : اللوم وضعف الرأي. وكل هذه المعاني راجع إلى التعجيز، وتضعيف الرأي، يقال : فنده تفنيداً : إذا عجزه، وأفند : إذا تكلم بالخطأ، والفند : الخطأ من الكلام، ومما يدل على إطلاقه على اللوم قول الشاعر :
يا عاذِلي دعا الملام وأَقصِرا طال الهوى وَأطلتُما التفنيدا
أخبرهم يعقوب بأن الصبا قد حملت إليه ريح حبيبه، وأنه لولا ما يخشاه من التفنيد لما شك في ذلك :
فإن الصبا ريح إذا ما تنفست على نفس مهموم تجلت همومها
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث ما يطلع الفجر
ولقد تهبّ لي الصبا من أرضها فيلذّ مسّ هبوبكم ويطيب
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة في قوله : لاَ تَثْرَيبَ قال : لا تعيير. وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال : قال :( لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة التفت إلى الناس فقال :( ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ فقالوا : ابن عمّ كريم، فقال : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ) وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عطاء الخراساني قال : طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألم تر إلى قول يوسف لا تثريب عليكم اليوم ؟. وقال يعقوب : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى .
أقول : وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو عنهم بقولهم : لقد آثرك الله علينا ، فقال : لا تثريب عليكم اليوم، لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم، وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلاّ بطلب ذلك منه إلى الله عزّ وجلّ، وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلاً عليهم بسؤال الله لهم، ولا سيما إذا صح ما تقدّم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة، فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول.
وأخرج الحكيم الترمذي، وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال : لما كان من أمر إخوة يوسف ما كان، كتب يعقوب إلى يوسف وهو لا يعلم أنه يوسف : بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون : سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد : فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء. كان جدّي إبراهيم خليل الله ألقي في النار في طاعة ربه، فجعلها الله عليه برداً وسلاما، وأمر الله جدّي أن يذبح له أبي ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن وكان من أحبّ الناس إليّ ففقدته، فأذهب حزني عليه نور بصري، وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب عني بعض وجدي، وهو المحبوس عندك في السرقة، وإني أخبرك أني لم أسرق، ولم ألد سارقاً ؛ فلما قرأ يوسف الكتاب بكى وصاح وقال : اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا .
وأخرج أبو الشيخ عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله :( اذهبوا بِقَمِيصِي هذا أن نمروذ لما ألقى إبراهيم في النار نزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يتحدّث، فأوحى الله إلى النار كُونِي بَرْداً وسلاما [ الأنبياء : ٦٩ ] ) ولولا أنه قال وسلاماً لآذاه البرد. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعاً :( إن الله كسا إبراهيم ثوباً من الجنة، فكساه إبراهيم إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، فأخذه يعقوب فجعله في قصبة من حديد وعلقه في عنق يوسف، ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوهّ ؛ فلما أراد الله أن يردّ يوسف على يعقوب كان بين رؤياه وتعبيره أربعون سنة، أمر البشير أن يبشره من ثمان مراحل، فوجد يعقوب ريحه فقال : إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ، فلما ألقاه على وجهه ارتدّ بصيراً، وليس يقع شيء من الجنة على عامة من عاهات الدنيا إلاّ أبرأها بإذن الله ). وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأحمد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : وَلَمَّا فَصَلَتِ العير قال : لما خرجت العير هاجت الريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال : إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ تسفهون، فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه قال : وجد ريحه من مسيرة عشرة أيام. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عنه قال : وجده من مسيرة ثمانين فرسخاً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أيضاً لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ قال : تجهلون. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً : قال : تكذبون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال : تهرمون، يقولون : قد ذهب عقلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن الربيع قال : لولا أن تحمقون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس إِنَّكَ لَفِي ضلالك القديم يقول : خطئك القديم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : جنونك القديم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : حبك القديم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : البشير : البريد. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سفيان قال : البشير هو يهوذا بن يعقوب. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : لما أن جاء البشير إلى يعقوب فألقى عليه القميص قال : على أيّ دين خلفت يوسف ؟ قال : على الإسلام، قال : الآن تمت النعمة. وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن مسعود في قوله : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي قال : إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال : أخرهم إلى السحر، وكان يصلي بالسحر. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه عنه قال : أخرّهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أيضاً قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في قصه :( هو قول أخي يعقوب لبنيه : سوف أستغفر لكم ربي )، يقول : حتى تأتي ليلة الجمعة ).

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية