ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض [ لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ] ١ ويجوز في " يَوْمَ " عدة أوجه :
أحدها : أن ينتصب منصوباً ب " انتقام " أي : يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني : أن ينتصب ب " اذكُر ".
الثالث : ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع : أن يكون بدلاً من :" يَوْمَ يَأتِيهِمْ ".
الخامس : أن ينتصب ب " مُخْلِفَ ".
السادس : أن ينتصب ب " وَعْدِهِ "، و " إنَّ " وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال٢ :" لأن ما قبل " إنَّ " لا يعمل فيما بعدها ".
وهذا غير مانع ؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.

فصل


التَّبديلُ يحتمل وجهين :
الأول : أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول : بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى : فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [ الفرقان : ٧٠ ]، ويقال : بدّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر :[ الطويل ]
فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ٣
الثاني : أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك : بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله -تعالى- : وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [ سبأ : ١٦ ].
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان :
الأول : قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً ٤ [ طه : ١٠٧ ] وقال صلى الله عليه وسلم :" تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [ العكاظي ]٥ لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ". وتبدل السماوات بانتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها ؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان٦.
والقول الثاني : تبديل الذات. قال ابن مسعود -رضي الله عنه- : تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها دمٌ، ولم يعمل عليها خطيئة٧.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ : لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل : المراد من تبديل الأرض والسماوات : هو أنَّ الله -تعالى-، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السماوات الجنة بدليل قوله تعالى : كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ
[ المطففين : ٧ ] وقوله -عزَّ وجلَّ- كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : ١٨ ].
وقالت عائشة -رضي الله عنها- : سألتُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات [ إبراهيم : ٤٨ ] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" على الصِّراطِ " ٨.
وروى ثوبانُ -رضي الله عنه- أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ ؟ قال :" هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ " ٩.
قوله " والسماوات " تقديره : وتبدل السماوات غير السماوات.
وقرئ١٠ :" نُبَدّلُ " بالنون :" الأرض " نصباً " والسماوات " نسق عليه.
قوله " وبَرَزُوا " فيه وجهان :
أحدهما : أنها حملةٌ مستأنفة، أي : يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ونادى أَصْحَابُ النار [ الأعراف : ٥٠ ] ونادى أَصْحَابُ الجنة [ الأعراف : ٤٤ ] رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ [ الحجر : ٢ ] أتى أَمْرُ الله [ النحل : ١ ] لتحقُّّق ذلك.
والثاني : أنها حال من " الأرض "، و " قَدْ " معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في :" بَرَزُوا " للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد١١ بن علي " وبُرِّزُوا " بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً [ إبراهيم : ٢١ ]، وإنما ذكر " الوَاحدِ القهَّارِ " هنا ؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد غيره، فكان الأمر في غية الصعوبة.
١ سقط من ب..
٢ ينظر: الإملاء ٢/٧١..
٣ ينظر: مجالس ثعلب ١/٤٩، روح المعاني ١٣/٢٥٤، الكشاف ٢/٣٨٤، شواهد الكشاف ٤/٢٥٨، البحر المحيط ٥/٤٢٧، العقد الفريد ٢/١٤٨، الدر المصون ٤/٢٨١...
٤ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٩/١١٦)..
٥ في ب: العاكظي..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٨٢)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٤٧٩) والحاكم (٤/٥٧٠) والطبراني في "الكبير" كما في "المجمع" (٧/٤٨).
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في "المجمع" (٧/٤٨) وقال: وإسناده جيد.
وذكره أيضا السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٦٧) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "البعث"..

٨ أخرجه مسلم (٤/٢١٥٠) كتاب صفات المنافقين: باب في البعث والنشور حديث (٢٩/٢٧٩١). والترمذي (٥/٢٧٦) كتاب التفسير حديث (٣١٢١) وابن ماجه (٤٢٧٩) واستدركه الحاكم (٢/٣٥٢) من طريق داود ابن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة وهو في مسلم بهذا الإسناد.
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٦٧) وزاد نسبته إلى أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه..

٩ أخرجه مسلم (١/٢٥٢) كتاب الحيض: باب بيان صفة مني الرجل والمرأة حديث (٣٤٠/٣١٥) والطبري (٧/٤٨٣) والحاكم (٣/٤٨٢) من حديث ثوبان.
١٠ /٥٦٧ والبحر المحيط ٥/٤٢٨ والدر المصون ٤/٢٨٢. ينظر: الكشاف.
١١ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٢٨ والدر المصون ٤/٢٨٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية