| تَرَى الثورَ فيها مُدخِلَ الظِّلِّ رَأسَهُ | وسَائِرُهُ بَادٍ إلى الشَّمْس أجْمَعُ (١) |
٤٨ - قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ الآية. ذكر الزجاج في نصب (يوم) وجهين؛ أحدهما: أنه صفة لقوله يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٦)، والآخر: أنه على معنى ينتقم يوم تبدل (٧)، وذكرنا في قوله: {بَدَّلْنَاهُمْ
(٢) ما بين المعقوفين من (ش) وساقط من باقي النسخ.
(٣) يقول الأعلم: كان الوجه أن يقول: مُدخلَ رأسه الظلّ؛ لأن الرأس هو الدّاخل في الظل، والظل هو المدخل فيه. "الدرر اللوامع " ٦/ ٣٧.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٧٩، نقل طويل مع تصرف يسير.
(٥) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ١/ ٣٣٧ بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٧٥.
(٦) وتقديره: يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ذكره الزجاج.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه"، ٣/ ١٦٩ بمعناه، حيث قال: وإن شئت أن يكون منصوباً بقوله ذو انتقام.
جُلُودًا} [النساء: ٥٦] أن التبديل يقع على معنيين، أحدهما: تبديل العين إلى غيره، والثاني: تبديل الصورةِ والعين قائمة، وقد ذُكر المعنيان في هذه الآية، قال ابن عباس: الأرض هي تلك الأرض، وإنما تُبدل آكامُها وجبالها وأشجارها (١)، ثم أنشد (٢):
| فما الناسُ بالناسِ الذين عَهِدتُهُم | ولا الدَّارُ بالدَّارِ التي كنت أعْرِفُ (٣) |
(٢) نُسب إلى ابن عباس في المصادر السابقة عدا تفسير الفخر الرازي ونُسب إلى عبد الله بن شبيب في "مجالس ثعلب" ص ٤٩.
(٣) المصادر السابقة نفسها، وتختلف رواية "مجالس ثعلب" في العجز، وهي:
وما الدهر بالدهر الذي كنت تعرف
(٤) في جميع النسخ (فينبشها) والتصويب من الطبري والثعلبي وباقي المراجع.
(٥) الحديث جزء من حديث الصور الطويل، أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٢، مختصراً، والطبراني في "معجمه الكبير" ٢٥/ ٢٦٦، مطولاً، والبيهقي في "البعث" ص ٣٣٨، مطولاً، وطرفه: (إن الله عَزَّ وَجَلَّ لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور)، وأورده الثعلبي ٢/ ١٤٤ ب، مختصرًا، وابن كثير ٢/ ١٦٣، مطولاً، وورد مختصرًا في "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٧٥، والفخر الرازي ١٩/ ١٤٦، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٨٣، وابن كثير ٢/ ٥٩٩، وأبي السعود ٥/ ٦٠، و"حاشية الجمل على الجلالين" ٢/ ٥٣٤، والحديث ضعيف، وقد ضعفه ابن كثير رحمه الله ٢/ ١٦٧ ووصفه بالنكارة؛ بسبب تفرد إسماعيل بن رافع وهو مكر الحديث، وأكده أحمد شاكر -رحمه الله- فقال: هو حديث ظاهر النكارة. انظر: "عمدة =
وقال الحسن: هي هذه الأرض إلا أنها تُغيَّر إلى سورة أخرى (١).
وأما تبديل السموات فقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وتبديل المموات بأن يزاد فيها وينقص منها (٢).
وقال ابن الأنباري: باختلاف هيئتها؛ كما ذكر الله تعالى أنها مرة كالمهل (٣)، وتكون كالدهان (٤)، وعلى هذا القول معنى التبديلِ في الآية: وتبديلُ الصورةِ باختلاف الهيئةِ، والعينُ كما هي، كما تقول: قد بدلت قميصي جُبة؛ أن تقلبَ العينَ من حال إلى حال أخرى، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: قد يقول: بَدَّل زيدٌ، إذا تغيرت حاله، فمعنى تبديل الأرض: تسيير جبالها وتفجير بحارها، وكونها مستوية لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، وتبديل السموات: انتثار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها وخسوف قمرها.
قال: وقوله: وَالسَّمَاوَاتُ أي وتبدل السمواتُ غيرَ السموات (٥)، ومثله قال أبو علي: قال وهو كقوله -صلى الله عليه وسلم-: لا يُقتل مؤمنٌ بكافر ولا ذو عهد
(١) ورد في معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٥٤٥، بمعناه، و"تفسير الطوسي" ٦/ ٣٠٩ بنصه.
(٢) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٣٧٥، لكن جعله تفسيرًا لتبديل الأرض لا السماء، حيث قال: إنها تلك الأرض، وإنما يزاد فيها وينقص منها، وكذلك أورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ١٦٨وعزاه إلى البيهقي في البعث لم أجده.
(٣) يشير إلى قوله تعالى: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج: ٨].
(٤) يشير إلى قوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن: ٣٧].
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٦٩ بنصه.
في عهده" (١) (٢).
المعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، كما كان التقدير في الآية؛ والسموات غير السموات، وذهب قوم إلى تبديل العين، فقال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة بيضاء نقية، لم يُسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة (٣)، ونحو ذلك قال ابن عباس في رواية الكلبي وعطاء (٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: باب قود المسلم بالذمي ١٠/ ٩٩ بنحوه عن الحسن مرسلاً، وأبو داود (٤٥٣٠) كتاب: الديات، إيقاد المسلم بالكافر، (٢٧٥١) كتاب: الجهاد، باب: في السرية ترد على أملى العسكر، بنصه، وابن ماجه (٢٦٥٨) كتاب: الديات لا يقتل مسلم بكافر، واللفظ له، والنسائي: القَسامة، القود بين الأحرار والمماليك في النفس ٨/ ١٩ بنصه، والحاكم: الفيء لا يقتل مؤمن بكافر ٢/ ١٤١ بنصه، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: الجنايات فيمن لا قصاص بينه باختلاف الدين ٨/ ٢٩ بنحوه، كلهم عن علي إلا ابن ماجه عن ابن عباس، وذكره الألباني في "صحيح أبي داود" (٢٧٥١)، (٤٥٣٠)، و"صحيح النسائي" ٣/ ٩٨٤، و"صحيح ابن ماجه" (٢٦٥٨).
(٣) أخرجه بنصه: عبد الرزاق ٢/ ٣٤٤، موقوفاً على عمرو بن ميمون راوي الحديث عن ابن مسعود والطبري ١٣/ ٢٥٠، من طرق، والطبراني في "الكبير" ٩/ ٢٣٢، والحاكم ٤/ ٥٧٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٥٣، وورد بنحوه في معاني النحاس ٣/ ٥٤٤، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢١١، والماوردي ٣/ ١٤٣، وأورده ابن حجر في "الفتح" ١١/ ٣٨٣، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد والبيهقي في الشعب لم أقف عليه، وقال: ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف.
(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥١، من طريق العوفي ضعيفة، ولفظه: فزعم أنها تكون فضة، ورد في "تفسير الماوردي" ٣/ ١٤٣ مختصرًا، وانظر: "تفسير ابن الجوزي". برواية عطاء ٤/ ٣٧٦، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٨٤، وابن كثير ٢/ ٥٦٤.
يؤكد هذا ما روى سَهْل بن سَعد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُحْشرُ الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عَفْراءَ كَقُرْصَةِ النَّقيّ ليس فيها معلم لأحد" (١).
وقال علي -رضي الله عنه- في هذه الآية: الأرض من فضة والسماء من ذهب (٢)، ومذهب أكثر المفسرين؛ عكرمة، ومجاهد، والقرظي، وكعب: على أن هذا التبديل هو تبديل العين (٣).
(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥١، وفيه (والجنة) بدل (والسماء)، وورد بنصه في "تفسيرالثعلبي" ٢/ ١٤٤ ب، والماوردي ٣/ ١٤٤، وانظر: "تفسير البغوي" ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢، و"ابن الجوزي" ٤/ ٣٧٦، و"تفسير القرطبي" ٩/ ٣٨٤، و"الخازن" ٣/ ٨٦، وأبي حيان ٥/ ٤٣٩، وابن كثير ٢/ ٥٩٨، و"الدر المنثور" ٤/ ١٦٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) وقد تعددت أقوالهم في ماهية التبديل على أقوال: فقال مجاهد: تبدل أرضًا بيضاء كأنها الفضة، والسموات كذلك كأنها الفضة. "تفسير مجاهد" ١/ ٣٣٦، وأخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٠، وقال كعب: تفسير السموات جناناً، ويصير مكان البحر النار، وتبدل الأرض غيرها. أخرجه الطبري ١٣/ ٢٥٢، وورد في "تفسير الماوردي" ٣/ ١٤٤، والثعلبي ٢/ ١٤٤ ب، والخازن ٣/ ٨٦، وابن كثير ٢/ ٥٩٨، وقال القرظي: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم. =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي