ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك :
يوم تُبدّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا١ لله الواحد القهّار٤٨
ويخوّفهم الحق سبحانه هنا من يوم القيامة بعد أن صوّر لهم ما سوف يدّعونه، بأن يؤخّر الحق حسابهم، وأن يعيدهم إلى الدنيا لعلهم يعملون عملا صالحا، ويجيبوا دعوة الرسل.
ويوضح سبحانه هنا أن الكون الذي خلقه الله سبحانه، وطرأ عليه آدم وخلفته من بعده ذريته، قد أعدّه سبحانه وسخّره في خدمة آدم وذريته من بعده ؛ وهم يعيشون في الكون بأسباب الله الممدودة في أنفسهم، والمنثورة في هذا الكون لكل مخلوق لله، مؤمنهم وكافرهم، فمن يأخذ بتلك الأسباب هو من يغلب.
وسبحانه القائل :
من كان يريد حرث٢ الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نُؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ٢٠ ( الشورى ).
وهكذا شاء الله أن يهب عباده الارتقاء في الدنيا بالأسباب ؛ أما حياة الآخرة فنحن نحياها بالمُسبِّب، وبمجرد أن تخطر على بال المؤمن رغبة في شيء يجده قد تحقق.
وهذا أمر لا يحتاج إلى أرض قدّر فيها الحق أقواتها، وجعل فيها رواسي ؛ وأنزل عليها من السماء ماء، إذن : فهي أرض غير الأرض، وسماء غير السماء، لأن الأرض التي نعرفها هي أرض أسباب، والسماء التي نعرفها هي سماء أسباب.
وفي جنة الآخرة لا أسباب هناك، لذلك لا بد أن تتبدّل الأرض، وكذلك السماء.
وقوله الحق :
وبرزوا لله الواحد القهّار ٤٨ ( إبراهيم ).
فهو يعني ألا يكون هناك أحد معهم سوى ربهم ؛ لأن البروز هو الخروج والمواجهة.
والمؤمن وجد ربه إيمانا بالغيب في دنياه، وهو مؤمن به وبكل ما جاء عنه ؛ كقيام الساعة، ووجود الجنة والنار.
وكلنا يذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أحد الصحابة٣ حين سأله الرسول صلى الله عليه وسلم : كيف أصبحت ؟ فقال الصحابي : أصبحت مؤمنا بالله حقا. فقال له الرسول صلى الله وسلم : لكل حق حقيقة ؛ فما حقيقة إيمانك ؟ قال الصحابي : عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها –أي : تساوى الذهب بالتراب - وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذّبون. فقال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :( عرفت فالزم )٤.
هذا هو حال المؤمن، أما الكافر فحاله مختلف. فهو يبرز ليجد الله الذي أنكره، وهي مواجهة لم يكن ينتظرها، ولذلك قال الحق سبحانه في وصف ذاته هنا :
الواحد القهّار ٤٧
وليس هناك إله آخر سيقول له ( اتركهم من أجل خاطري ).
وفي آية أخرى يقول عن هؤلاء :
والذين كفروا أعمالُهم كسرابٍ٥ بقيعة يحسَبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده.. ٣٩
( النور ).
أي : أنه يُفاجأ بمثل هذا الموقف الذي لم يستعد له.
وقوله :
الواحد القهّار ٤٨ ( إبراهيم ).
أي : القادر على قهر المخلوق على غير مُراده.
٢ الحرث: الثواب والنصيب. وحرث الدنيا: كسْبها. [لسان العرب - مادة: حرث]..
٣ هو الحارث بن مالك الأنصاري. ذكره ابن حجر العسقلاني في (الإصابة في تمييز الصحابة) (١/٣٤٣) وعزا الحديث لابن المبارك في الزهد..
٤ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/٥٧) وعزاه للطبراني في الكبير من حديث الحارث ابن مالك الأنصاري..
٥ السراب: ما تراه في نصف النهار في الأرض الفضاء كأنه ماء، وليس بماء. [القاموس القويم ١/٣٠٨) والقيعة جمع قاع، وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون السراب. [تفسير ابن كثير ٣/٢٩٦]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي