ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

يوم تبدل الأرض غير الأرض بدل من يوم يأتيهم أو ظرف للانتقام أو مقدر باذكر أو بقوله لا يخلف وعده، ولا يجوز أن ينتصب بمخلف لأن ما قبل إن لا يعمل فيما بعده والسماوات عطف على الأرض وتقديره والسماوات غير السماوات فحذف لدلالة ما قبله عليه، والتبديل يكون في الذات كقولك بدلت الدراهم بالدنانير وعليه قوله تعالى : بدلناهم جلودا غيرها ٧٥ وفي الصفة كقولك بدلت الحلقة خاتما وإذا أذبتها وغيرت شكلها، وفي تبديل الأرض والسماوات أحاديث بعضها تدل على التبديل في الذات وبعضها على التبديل في الصفات، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم في تفاسيرهم والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود في هذه الآية أنه قال :( تبدل الأرض أرضا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم تعمل عليها خطيئة ) وأخرج البيهقي عن ابن مسعود مرفوعا وقال الموقوف أصح، قلت والموقوف في الباب له حكم المرفوع، وأخرج ابن جرير والحاكم من وجه آخر عنه قال :( أرضا بيضاء كأنها سبيكة فضة ) وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أيوب وابن جرير عن أنس بن مالك في هذه الآية قال :( يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم يعمل عليها الخطاء ) وأخرج من طريق أبي حمزة عن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال :( إنها تكون بيضاء مثل الفضة ) وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن علي ابن أبي طالب في هذه الآية قال :( الأرض من فضة والسماء من ذهب ) وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : الأرض كأنها فضة والسماء كذلك، وأخرج عبد ابن حميد عن عكرمة قال : بلغنا أن الأرض تطوى وإلى جنبها أخرى يحشر الناس منها إليها، وفي الصحيحين عن سهل بن سعد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي ليس فيها معلم لأحد )٧٦ وأخرج البيهقي من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية قال : يزاد فيها وينقص ويذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها وتمد مدا لأديم العكاظي أرض بيضاء مثل الفضة لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة، والسماوات تذهب شمسها وقمرها ونجومها، وأخرج الحاكم عن ابن عمرو قال : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الخلائق، وأخرج الحاكم بسند جيد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم :( تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لأبن آدم منها إلا موضع قدميه ثم أدعى أول الناس فأخر ساجدا، ثم يؤذن لي فأقوم فأقول : يا رب أخبرني هذا جبرئيل وهو عن يمين الرحمن والله ما رآه جبرئيل قبلها قط إنك أرسلته إلي قال : وجبرئيل ساكت لا يتكلم حتى يقول الله صدق ثم يأذن لي في الشفاعة فأقول يا رب عبادك أطراف الأرض فذلك المقام المحمود ) وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :( تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده كما يتكفأ أحدهم خبزته في السفر نزولا لأهل الجنة )٧٧ قال الداروردي النزل ما يعجل للضيف قبل الطعام والمراد به يأكل كل منها في الموقف من سيصير إلى الجنة، وكذا قال ابن مرجان في الإرشاد تبدل الأرض خبزة فيأكل المؤمن من بين رجليه ويشرب من الحوض، قال ابن حجر يستفاد منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف بل يقلب الله بقدرته طبع الأرض حتى يأكلون منها من تحت أقدامهم ما شاء الله من غير علاج ولا كلفة، ويؤيده ما أخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : وتكون الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه، وأخرج نحوه عن محمد بن كعب، وأخرج البيهقي عن عكرمة قال تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب، وعن أبي جعفر محمد الباقر نحوه، وأخرج الخطيب عن ابن مسعود قال يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط وأعرى ما كانوا قط وأنصب ما كانوا قط فمن أطعم لله أطعمه ومن سقى لله سقاه ومن كسى لله كساه ومن عمل كفاه.
وأخرج ابن جرير عن ابن كعب في الآية قال : تصير السماوات جنانا وتصير مكان البحر نارا وتبدل الأرض غيرها وأخرج عن ابن مسعود قال : الأرض كلها نار يوم القيامة، وأخرج عن كعب الأحبار قال يصير مكان البحر نارا، وأخرج مسلم عن ثوبان قال : جاء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض ؟ قال( هم في ظلمة دون الجسر )٧٨ وأخرج مسلم عن عائشة قالت قلت : يا رسول الله ( أرأيت قول تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض أين الناس يومئذ ؟ قال :( على الصراط )٧٩ قال البيهقي قوله على الصراط مجاز لكونهم يجاوزونه فوافق قوله في حديث ثوبان دون الجسر لأنها زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها ولأن ذلك عند الزجرة التي تقع بها نقلتهم من أرض الدنيا إلى أرض الموقف، وأخرج البيهقي عن أبي بن كعب في قوله تعالى : وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة١٤ ٨٠ قال يصيران غبرة على وجوه الكفار لأعلى وجوه المؤمنين وذلك قوله تعالى : ووجوه يومئذ عليها غبرة٤٠ترهقها قترة٤١ ٨١ قال السيوطي قد وقع الخلاف قديما للسلف في أن التبديل تغير ذاتها أو صفاتها فقط، فرجح الأول ابن أبي حمزة وأشار إلى أن أرض الدنيا تضمحل وتعدم وتجدد أرض الموقف، وقال الشيخ ابن حجر لا تنافي بين تبديل الأرض وأحاديث مدها والزيادة فيها والنقص منها، لأن كل ذلك يقع لأرض الدنيا لكن أرض الموقف غيرها، فإنهم يجزرون من أرض الدنيا بعد تغيرها بما ذكرنا إلى أرض الموقف، قال : ولا تنافي أيضا بين أحاديث مصيرها خبزة وغبرة ونارا بل تجمع بأن بعضها تصير خبزة وبعضها غبرة وبعضها نارا وهو أرض البحر خاصة بدليل أثر أبي بن كعب، قلت : لعل موضع أقدام المؤمنين يصير خبزة وموضع أقدام الكفار غبرة ونارا، وقال القرطبي جمع صاحب الإفصاح بين هذه الأخبار بأن تبدل الأرض والسماوات يقع مرتين أحدهما تبديل صفاتها فقط وذلك قبل نفخة الصعق فتنتشر الكواكب وتخسف الشمس والقمر وتصير السماء كالمهل وتكشط عن الرؤوس وتسير الجبال وتصير البحار نارا وعوج الأرض وتنشق إلى أن تصير الهيئة غير الهيئة، ثم بين النفختين تطوى السماء والأرض وتبدل السماء سماء أخرى وهو قوله تعالى : وأشرقت الأرض بنور ربها ٨٢ وتبدل الأرض فتمد مد الأديم وتعاد كما كانت فيها القتور والبشر على ظهرها وفي بطنها، وتبدل أيضا تبديلا ثانيا وذلك إذا وقفوا في المحشر فتبدل لهم الأرض التي يقال لها الساهرة ويحاسبون عليها وهي أرض غفراء بيضاء من فضة لم يسفك فيها دم ولم تعمل عليها معصية، وحينئذ يقوم الناس على الصراط وهو يسع جميع الخلق فيقوم من فضل على جسر جهنم وهي كإهالة جامدة وهي التي قال عبد الله إنها أرض من نار فإذا جاوزوا الصراط وجعل أهل النار وأهل الجنان من وراء الصراط قاموا على حياض الأنبياء يشربون بدلت الأرض كقرصة النقي فأكلوا من تحت أرجلهم وعند دخولهم الجنة كانت خبزة واحدة أي قرصا واحدا يأكل منه جميع الخلائق ممن دخل الجنة، وإدامهم زيادة كبد ثوار الجنة وزيادة كبد النون إنتهى كلامه، وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عدي بسند ضعيف الأرض تذهب كلها يوم القيامة إلا المساجد فإنها ينضم بعضها إلى بعض، قلت، لو صح هذه الرواية فلعل أرض المساجد تصير أرضا للجنة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )٨٣ رواه الشيخان في الصحيحين وأحمد والنسائي عن عبد الله ابن زيد المازني وعن أبي هريرة في الصحيحين وعند الترمذي وبرزوا أي ظهروا وخرجوا من قبورهم لله الواحد القهار أي لمحاسبته ومجازاته، وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة فإن الأمر إذا كان لواحد غالب لا يغالب عليه فلا مستغاث ولا مستجار غيره.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير