ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

(تبدل الأرض) المشاهدة (غير الأرض) والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم بالدنانير وقد يكون في الصفات كما في بدلت الحلقة خاتماً، والآية تحتمل الأمرين وبالثاني قال الأكثر (والسماوات) أي وتبدل السماوات غير السماوات لدلالة ما قبله عليه على الاختلاف الذي مر، وتقديم تبديل الأرض لقربانها ولكون تبديلها أعظم أثراً بالنسبة إلينا.
أخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ " في الظلمة دون الجسر " (١).
وأخرج مسلم أيضا وغيره من حديث عائشة قالت: أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية، قلت: أين الناس يومئذ قال: " على الصراط " (٢) والصحيح على هذا إزالة عين هذه الأرض.
وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني في الأوسط، والبيهقي وابن عساكر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قال: " أرض بيضاء كأنها فضة لم
_________
(١) مسلم ٣١٥.
(٢) مسلم ٢٧٩١.

صفحة رقم 136

يسفك فيها دم حرام ولم يعمل بها خطيئة " قال البيهقي: والموقوف أصح، وفي الباب روايات، وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة.
وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقى " (١) وفيهما أيضاً عن حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده " (٢) الحديث.
وقد أطال القرطبي في بيان ذلك في تفسيره وفي تذكرته، وحاصله أن هذه الأحاديث نص في أن الأرض والسماوات تبدل وتزال ويخلق الله أرضاً أخرى تكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر، وهو الصراط لا كما قال كثير من الناس إن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها.
ثم قال وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأنهما تبدلان كرتين: أحداهما هذه الأولى قبل نفخة الصعق، والثانية إذا وقفوا في المحشر، وهي أرض عفراء من فضة لم يسفك عليها دم حرام ولا جرى عليها ظلم ويقوم الناس على الصراط على متن جهنم، ثم ذكر في موضع آخر من التذكرة ما يقتضي إن الخلائق وقت تبديل الأرض تكون في أيدي الملائكة رافعين لهم عنها.
قال في الجمل: فتحصل من مجموع كلامه إن تبديل هذه الأرض بأرض
_________
(١) مسلم ٢٧٩٠ - البخاري ٢٤٩٩.
(٢) مسلم ٢٧٩٢ - البخاري ٢٤٤٨.

صفحة رقم 137

أخرى من فضة يكون قبل الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك مرفوعة في أيدي الملائكة وأن تبديل الأرض بأرض من خبز يكون بعد الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك على الصراط، وهذه الأرض خاصة بالمؤمنين عند دخولهم الجنة.
(وبرزوا) أي العباد أو الظالمون كما يفيده السياق أي ظهروا من قبورهم ليستوفوا جزاء أعمالهم وهذه هي علة الخروج أو ظهر من أعمالهم ما كانوا يكتمونه، والتعبير عن المستقبل بالماضي للتنبيه على تحقق وقوعه كما في قوله ونفخ في الصور (لله الواحد القهار) المنفرد بالألوهية الكثير القهر لمن عانده.

صفحة رقم 138

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية