ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

الربع الأول من الحزب الثامن والعشرين في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع، يؤكد كتاب الله الحقيقة الدينية الأولى، التي نادت بها جميع الكتب المنزلة، كتابا بعد كتاب، والتي بشر بها كافة الأنبياء والرسل، نبيا بعد نبي ورسولا إثر رسول، ألا وهي انفراد الحق سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية عن كل ما سواه، وضرورة التوجه إليه وحده بالخوف والرجاء دون ما عداه، وذلك قوله تعالى : وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد، فإياي فارهبون .
ثم يتجه كتاب الله بخطابه إلى الناس كافة، مذكرا إياهم بأن كل ما يتقلبون فيه من النعم على اختلافها، إنما هو هبة إلهية وهبها لهم بمحض إرادته، وأن من تفضل بالعطاء، يمكن أن يعاقب بالسلب وما بكم من نعمة فمن الله .
ووصف كتاب الله في هذا السياق، حالة من الحالات اليومية التي تعرض لكثير من الناس عندما يمسهم الضر، وينزل بساحتهم الأذى، فتنكشف عن أعينهم جميع الغشاوات والحجب، وتبدو لهم أنفسهم عارية على حقيقتها من الضعف والعجز والاحتياج، ولا يستطيعون لدفع الضر عن ساحتهم حيلة ولا يهتدون سبيلا، فلا يجدون مفتوحا أمامهم إلا بابا وحيدا هو باب الرحمان الرحيم، يلجأون إليه مضطرين صاغرين، ويطرقون بابه بالشكوى صارخين مبتهلين، فيجيب بفضله دعاءهم، ويكشف برحمته ضرهم، الأمر الذي كان كافيا ليوقظ في نفوسهم على الدوام حاسة الإيمان، ويحملهم باستمرار على الشكر والطاعة والإذعان، لكنهم على العكس من ذلك، بمجرد ما يكشف الحق سبحانه عنهم الضر، ويدفع عنهم الأذى، ينسون فضل الله، ويتنكرون لنعم الله، وينتكسون مرة أخرى فيعودون إلى ما كانوا عليه من المعتقدات الباطلة والتصرفات الفاسدة، وهكذا تتحرك فيهم فطرة الخير مؤقتا، تحت ضغط الضعف والمرض والأذى، لكن بمجرد ما يستعيدون القوة والصحة والسلامة، تطغى عليهم من جديد نزغات الشر والعصيان، ويتصدون لنعم الله وحقوقه بالجحود والكفران، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون، ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير