ثم امتنّ سبحانه عليهم بأن جميع ما هم متقلبون فيه من النعم هو منه لا من غيره، فقال : وَمَا بِكُم من نعْمَةٍ أي : ما يلابسكم من النعم على اختلاف أنواعها فمن الله، أي : فهي منه، فتكون ما شرطية، ويجوز أن تكون موصولة متضمنة معنى الشرط، و بكم صلتها، و من نعمة حال من الضمير في الجار والمجرور، أو بيان ل«ما ». وقوله : فَمِنَ الله الخبر، وعلى كون «ما » شرطية يكون فعل الشرط محذوفاً، أي : ما يكن، والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته، ومعرفة الخير لأجل العمل به. وإما دنيوية نفسانية، أو بدنية، أو خارجية، كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحته أنواع لا حصر لها، والكل من الله سبحانه، فعلى العاقل أن لا يشكر إلاّ إياه، ثم بين تلوّن الإنسان بعد استغراقه في بحر النعم فقال : ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأرُونَ أي : إذا مسكم الضرّ أيّ مس، فإلى الله سبحانه لا إلى غيره تتضرّعون في كشفه، فلا كاشف له إلاّ هو. يقال : جأر يجأر جؤوراً : إذا رفع صوته في تضرع. قال الأعشى يصف بقرة :
| فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة | وكان النكير أن تطيف وتجأرا |
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال : ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ثم قال : أي والله زمن غرق قوم نوح. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عنه قال : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم. ثم قرأ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا عن أنس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، أنه سمع رجلاً يقول : إن الظالم لا يضرّ إلاّ نفسه. قال أبو هريرة : بلى، والله إن الحبارى لتموت هزالاً في وكرها من ظلم الظالم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ قال : يجعلون لي البنات، ويكرهون ذلك لأنفسهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب أَنَّ لَهُمُ الحسنى قال : قول كفار قريش : لنا البنون، وله البنات. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد وَأَنَّهُمْ مُفْرطُونَ قال :[ منسبون ]. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة قال : معجلون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني