ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

ومن نعم الله أن يضمن لعباده سلامة الملكات وما حولها، فلو سلم العقل مثلاً، سلمت وصحت الأمور التي تتعلق به، فيصح النظام، وتصح التصرفات، ويصح الاقتصاد.. وهذه نعمة.
فالنعمة تكون للقلب وتكون للقالب، فللقالب المتعة المادية، وللقلب المتعة المعنوية.. وأهم المتع المعنوية التي تريح القالب، أن يكون للإنسان دين يوجهه.. أن يكون له رب قادر، لا يعجزه شيء، فإن ضاقت به الدنيا، وضاقت به الأسباب، فإن له رباً يلجأ إليه فيسعفه ويكيفه، وهذه هي الراحة الحقيقة.
وقد ضمن لنا الحق سبحانه وتعالى سلامة القالب بما أودع في الكون من مقومات الحياة في قوله : وقدر فيها أقواتها.. " ١٠ " ( سورة فصلت )أي : اطمئنوا إلى هذا الأمر، فالله سبحانه لا يريد منكم إلا أن تعملوا عقولكم المخلوقة لله لتفكروا في المادة المخلوقة لله، وتنفعلوا لها بالطاقة المخلوقة لله في جوارحكم، وسوف تجدون كل شيء ميسراً لكم.. فالله تعالى ما أراد منكم أن توجدوا رزقاً، وإنما أراد أن تعملوا العقل، وتتفاعلوا مع معطيات الكون.
ولكن كيف يتفاعل الإنسان في الحياة ؟
هناك أشياء في الوجود خلقها الله سبحانه برحمته وفضله، فهي تفعل لك وإن لم تطلب منها أن تفعل، فأنت لا تطلب من الشمس أن تطلع عليك، ولا من الهواء أن يهب عليك.. الخ. وهناك أشياء أخرى تفعل لك إن طلبت منها، وتفاعلت معها، كالأرض إن فعلت بيدك، فحرثت وزرعت ورويت، تعطيك ما تريد.
وفي هذا المجال من التفاعل يتفاضل الناس، لا يتفاضلون فيما يفعل لهم دون انفعال منهم.. لا بل ارتقاء الناس وتفاضلهم يكون بالأشياء التي تنفعل لهم إن فعلوا.. أما الأخرى فتفعل لكل الناس، فالشمس والهواء والمياه للجميع، للمؤمن وللكافر في أي مكان.
إذن : يترقى الإنسان بالأشياء التي خلقها الله له، فإذا انفعل معها انفعلت له، وإذا تكاسل وتخاذل لم تعطه شيئاً، ولا يستفيد منها بشيء.. ولذلك قد يقول قائل : الكافر عنده كذا وكذا، ويملك كذا وكذا، وهو كافر.. ويتعجب من القدر الذي أعطى هذا، وحرم المؤمن الموحد منه.
نقول له : نعم أخذ ما أخذ ؛ لأنه يشترك معك فيما يفعل لك وإن لم تطلب، ويزيد عليك أنه يعمل ويكد وينفعل مع الكون وما أعطاه الله من مقومات وطاقة، فتنفعل معه وتعطيه، في حين أنك قاعد لا همة لك.
وكذلك قد يتسامى الارتقاء في الإنسان، فيجعل الشيء الذي يفعل له دون أن يطلب منه أي : الشيء المسخر له يجعله ينفعل له، كما نرى فيما توصل إليه العلم من استخدام الطاقة الشمسية مثلاً في تسخين المياه.. هذه الطاقة مسخرة لنا دون جهد منا، ولكن ترقي الإنسان وطموحه أوصله إلى هذا الارتقاء.. وكل هذه نعم من الله.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير