التبذير: إنفاق المال في غر موضعه. إخوان الشياطين: كل من خرج على الدين وسلك سلوكا مشينا. ميسورا: لينا. مغلولة: مقيدة، كناية عن البخل. ولا تبسطها كل البسط: لا تنفق بدون عقل، لا تبذر. محسورا: منقطعا. خشية إملاق: خوفا من الفقر. خطئا: إثما. فاحشة: كل عمل قبيح فهو فاحشة. فلا يسرف: فلا يتجاوز الحد المشروع فيه والعفُو افضل واحسن. بالقسطاس المستقيم. بالميزان العادل. ولا تقفُ ما ليس لك به علم: لا تتدخل بما لا يعنيك. ولا تمش في الأرض مرحا: لا تتكبر في مشيك ولا تتعال. لن تخرق إلارض: لن تؤثر فيها شيئا. لن تبلغ الجبال طولا: لن طاول الجبال. الحكمة: المعرفة والتعقل والتخلق بهذه الأخلاق الواردة في هذه الآيات الكريمة.
في هذه الآيات الكريمة وصايا بالأقرباء والمساكين وبالغرباء الذين انقطعوا عن السفر بسبب نفاد المال منهم، ثم تعاليم خلقية قيمة بأن ننفق ولا نبذر، لأن التبذير من الأمور المكروهة وهي سبل الشيطان، ثم يقول الله تعالى:
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ.
يعني إذا سألك احد الاقرباء او المساكين او ابن السبيل شيئا من المال ولم تجد ما تعطيه، الا الدعاء له، فقل لهم قولا سهلا حسنا، وعِدْه عدة حسنة، والكلمة الطيبة صدقة، وفي الحديث: «إنكم لا تسَعون الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم».
ثم يأمرنا بالتوسط في الامور بان لا نبخل بأموالنا كأننا مقيدون بالاغلال، ولا نسرف بالعطاء فنقعد فقراء محرومين، فالاعتدال والتوازن أساس كل شيء في الإسلام.
والله تعالى يَعدنا اذا اعتدلنا بأن يبسط الرزق ويسعه لمن يشاءَ من عباده، إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً فهو خبير بطبائعم، بصير بحوائجهم.
ثم ينص على عادة قبيحة كانت عند العرب في الجاهلية وهي قتل الأولاد خشية الفقر فيقول هنا:
وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم.
فينص على تحريم قتل الاولاد خوفا من الفقر، يعني ان الرجل يكون عنده المال ويكثر عنده الاولاد فيخاف من الفقر فيقتلهم. وهذا ذنب كبير، والله تعالى قد تكفل بالرزق للتجميع.
وفي سورة الأنعام يقول: وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.
وهذه لها معنى غير الآية التي في سورة الإسراء، فنا يقول تعالى لا تقتلوا أولادكم لأنكم فقراء لا مال عندكم نحن نرزقكم واياهم، ففي آية الاسراء قدم رزق الأبناء على رزق الآباء، نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم، فلا تخافوا على اموالكم. وفي سورة الانعام قدم رزق الآباء على رزق الابناء نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ فهنا قتل الاولاد خوفا من وقوع الفقر بسببهم، فقدَّم رزق الاولاد، وفي الانعام لان الفقر حاصل وموجود بسبب فقر الآباء فقدم رزق الآباء، فلا يظن من لا معرفة له بان الآيتين فيهما تكرار.
وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى.
ثم يؤكد على موضوع كان متفشيا في الجاهلية وهو الزنا، ولذلك سماه فاحشة وساء سبيلا. وقد اكد على تحريم هذه الفاحشة عدة مرات في القرآن الكريم، ذلك لما فيها من مفاسد واختلاط إلانساب، والتعدي على حرمة الغير.
ثم نص على صيانة النفس، وانه لا يجوز بحال من الأحوال قتل الإنسان بدون جناية جناها وبغير حق، وقد تقدم أيضًا في سورة المائدة وغيرها النص على حرمة قتل النفس الا بالحق...
ثم بين هنا القصاص فقال:
وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً.
فمن قُتل مظلوما بغير حق، فقد جعلنا لمن يلي أمره من أقربائه الحقَّ بالقصاص، ولا يجوز لأقربائه ان يسرفوا في القتل بان يقلوا أحدا غير القاتل كما يفعل كثير من الناس، يأخذ الثأر من اي واحد من أقرباء القاتل إن هذا حرام لا يجوز في شرع الإسلام. والله سبحانه يقول: انه كان منصورا، فالله ناصره بان أوجب له القصاص من القاتل. وقد خير الاسلام أولياء القتيل بين أخذ ديته والعفو عنه او قتله، وفي الحديث الشريف: «من قتل فتيلا فأهله بين خيرتين: ان احبوا خذوا الدية».
ثم اكد وكرر بالوصية على رعاية مال اليتيم. وقد تقدم في سورة الأنعام الآية ١٥٢، وتقدم الكلام عليها مستوفى، وكذلك في أول سورة النساء.
وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً ان كل ما امر الله به ونهى عنه عهد الوفاء به واجب، وقد تكرر الأمر بالوفاء بالعهد في عدد من الآيات.
ثم حض على إيفاء الكيل والوزن، وان نكون أمناء في المكيال والميزان وجاء ذلك في عدد من الآيات. فالأمانة والاستقامة والعدل من قواعد الاسلام ... ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً اجمل عاقبةً واحسن مآلا في الآخرة، لما يترتب على ذلك من حفظ الحقوق، وعدم العش والتحلي بالأمانة.
والرسول الكريم يقول: «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه، ليس به الا مخافة الله، الا ابدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك».
ثم ينص على امر هام لا يزال إلى الآن موجودا في مجتمعنا، وهوالفضول، والتدخل في امر الغير، والكلام على الناس، والغيبة، ونقل الكلام بدون تثبت، فيقول: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ولا تتبع أيها المرء ما لا علم به، فلا تكن فضوليا تتدخل في شئون غيرك، ولا تنقل خبرا ما لم تتأكد منه وتتثبت من صحته من قول يقال، او رواية تروى، ومن حكم شرعي او قضية اعتقادية، ولا تشهد إلا بما رأت عيناك، وسمعته اذناك، ووعاه قلبك، ففي الحديث الشريف:
«إياكم والظن، فان الظن اكذب الحديث» وفي سنن أبي داود: «بئس مطية الرجُلِ زعموا» ان الله يسأل الإنسان عما فعلت جوارحه، وستسأل الجوارح نفسها عما اجترحت يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٩-٩٠].
وأنها لقواعد أخلاقية عظيمة، تؤمن سلامة المجتمع، وتجعل الناس يعيشون بأمن وسلام. وهذا هو الاسلام، وهذا هو القرآن الكريم إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.
ثم ينهى عن خلة سيِّئُه، وصفة بغيضة يختم بها هذه الوصايا والأوامر فيقول:
وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً.
التكبر صفة ممقوتة، والخيلاء الكاذبة من الأدلة على نقص العقل، ولماذا يزهو الانسان وعلى من يتكبر؛ انه من طين وسيعود إلى التراب، والله تعالى يبين له بانه ضئيل ضعيف إزاء ما في هذا الكون من مخلوقات اعظم واكبر، فلو تواضع لرفع الله كما جاء في الحديث الشريف من تواضع لله رفعه فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضَعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير.
كل هذه الصفات التي نهى الله عنها سيئة مكروهة عند الله. ذَلِكَ مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً.
ان كل ما قدمنا إليك أيها الانسان هو من الحكمة التي تشتمل على التعقل والاتزان وحب المعرفة.
ثم يختمها بالتحذير من الشرك، والحفاظ على عقيدة التوحيد، وهذه بعض الحكمة التي يهدي إليها القرآن الكريم الذي أوحاه الى الرسول ﷺ.
قراءات:
قرأ ابن كثير: «كان خِطَاءً كبيرا» بكسر لخاء وفتح الطاء والمد. وقرأ ابن عامر: «خطأ» بفتح الخاء والطاء. والباقون: «خطئا» بكسر الخاء وسكون الطاء. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: «القسطاس» بكسر القاف كما هو في المصحف، والباقون: «القسطاس» بضم القاف، وهما لغتان. وقرأ أبو بكر عن عاصم: «بالقسطاس» بالصاد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: «كان سيئةً» والباقون: «كان سيئهُ» مضافا الى الهاء.
تيسير التفسير
إبراهيم القطان