ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ

" قل كل يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ".
وجه الارتباط :
قد استفيد بما فقدم تقسيم الخلق إلى قسمين : أهل إيمان ورجاء، وأهل كفر وقنوط ؛ فجاء البيان في هذه الآية بأن كل فريق له مذهبه و طريقه الذي يكون عليه.
المفردات والتراكيب :
( شاكلته ) طريقته ومذهبه، المشاكلة الئقة به، التي صارت له طبيعة وخلقا.
( أهدى سبيلا )، أسد مذهبا، وأقوم طريقا.
التعبير بالمضارع مع لفظة على، يفيد تجدد العمل وانبناؤه على الخلق والطبيعة.
المعنى :
قل يا محمد – صلى الله عليه و آله وسلم- كل فريق منا ومنكم يعمل في حياته على طريقته ومذهبه، فأعمالنا مباينة لأعمالكم، لأن طريقتنا مباينة لطريقتكم، فربكم أعلم بمن هو أقوم طريقا، وأسد مذهبا، فيثيب المهتدين، ويعاقب الضالين.
فوائد استدراج الضال لقبول الهداية :
أ – وذلك بمناصفته بأنك على ناحيتك، وهو على ناحيته، وإظهار التساوي معه أمام علم الله وقدرته، وهذا من أنجع الأسباب في إنجاح الدعوة. و عليه في القرآن آيات كثيرة منها سورة " قل يا أيها الكافرون " فينبغي لدعاة الحق أن يلتزموه و لا يهملوه١
ب – و البراءة من أهل الباطل، وذلك بإعلان المباينة لهم، والمخالفة لهم في عملهم، وما انبنى عليه عملهم بأسلوب المناصفة الذي جاءت به الآية فتحصل البراءة مع الفائدة المتقدمة.
انبناء الأعمال على العقائد والأخلاق :
فإن الآية – وإن كانت بالخطاب الأول للمشركين، ثم لأمثالهم من الكافرين – تفيد أن كل أحد تبنى أعماله على مذهبه وطريقته، التي هي خلقه وطبيعته.
و نأخذ من هذا :
أن الذي نوجه إليه الاهتمام الأعظم في تربية أنفسنا، وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد، وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر، وفي الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، و إذا فسدت فسد الجسد كله.
فعل المؤمن ما يناسب إيمانه :
فإن كان يعمل على طريقته و طبيعته اللائقة به، و لا يليق بالمؤمن و لا يشاكله إلا الصدق في القول، والإحسان، والوفاء، والأمانة ؛ فلا يظلم من ظلمه، ولا يخون من خانه، ولا يكذب على من كذب عليه، فلا تجري أفعاله في مقابلة الناقص على ما يشاكل ذلك الناقص، بل تجري أفعاله على ما يشاكله هو في إيمانه وكماله٢.
مراقبة الله في السلوك :
فإن علمنا بأنه أعلم بمن هو أهدى سبيلا، يدعونا إلى المبالغة في تقويم سلوكنا، حتى نكون على الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، فإنه هو أهدى الطرق، وأقربها.
وما ذلك الصراط المستقيم إلا القرآن العظيم، والهدى النبوي الكريم وسلوك السلف الصالح، وذلك هو دين الإسلام.
نسأل الله لنا و لجميع المسلمين الاستقامة، و النجاة يوم القيامة، بمنه وكرمه آمين.

١ و لأن من هذا احترام له، وإن كان مخالفا. فيكون أدعى لأن يلين، و كما قال تعالى :" فاعف عنهم. واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر ". فلم يكف العفو، و إنما طلب منه أن يشاورهم في الأمر، احتراما لهم، فينجذبون و يميلون نحوه..
٢ و في هذا سمو وارتقاء وترفع عن السفاهة والصغار..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير