(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)
(قُلْ) يا نبي اللَّه (كلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)، أي كل فريق، فالتنوين في (كُلٌّ) قائم مقام المضاف إليه الذي يقدر بما يناسب المقام، والشاكلة الناحية أو الطريقة أو المذهب، أي كل يعمل على ناحيته التي اختارها والمذهب الذي اعتنقه، وهذا كقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦).
لقد حاولوا أن يفتنوا النبي - ﷺ - عن دينه، فكأن هذه الآية رد عليهم؛ ومعناها قد اخترتم ما اخترتموه فاتركوا الناس أحرارا في اختيارهم، ولا تفتنوهم
عن دينهم والحكم في هذه الشواكل عند اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى: (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا).
وربكم الذي خلقكم ورباكم هو العالم علما ليس فوقه علم بمن هو أهدى وأسلك طريقا، وهو الذي يحكم بينكم يوم القيامة وهو خير الحاكمين، وأفعل التفضيل ليس على بابه كما ذكرنا مرارا.
* * *
الروح والقرآن
قال اللَّه تعالى:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ
لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)
* * *
إن المشركين كانوا يعنتون في أسئلتهم وإجاباتهم، ويستعينون بأهل الكتاب في إحراج النبي - ﷺ -.
ويروى أنهم قد قالوا لهم: سلوه عن ثلاثة: عن الروح، وعن العبد الصالح، وعن ذي القرنين، فإن أجاب عن بعضها فهو نبي (١)، وقد بين سبحانه وتعالى حال العبد الصالح الذي صحب موسى، وعن ذي القرنين في سورة الكهف، وعن الروح فقال:
________
(١) رواه البخاري: تفسير القرآن - ويسألونك عن الروح - (٤٣٥٢)، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٥٠٠٢). العبد الصالح.
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة