ﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜ

قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد قال ابن عباس علم الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم التواضع لئلا يزعى على خلقه فأمره أن يقر فيقول إني آدمي مثلكم إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد لا شريك له، قلت فيه سد لباب الفتنة افتتن بها النصارى حين رأى عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وقد أعطى الله لنبينا صلى الله عليه وسلم من المعجزات أضعاف ما أعطى عيسى عليه السلام فأقره بإقرار العبودية وتوحيد الباري لا شريك له فمن كان يرجو لقاء ربه أي يخاف المصير إليه ويأمل رؤيته وحسن ثوابه، قال البغوي الرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعاً، قال الشاعر :

‌فلا كل ما ترجو من الخير كائن ولا كل ما ترجو من الشر واقع
فجمع بين المعنيين فليعمل عملاً صالحاً يرتضيه ولا يشرك بعبادة ربه أحداً أي لا يرائي بعمله ولا يطلب على عمله أجرا من أحد غيره تعالى جزءا ولا ثناء.
أخرج ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص عن طاووس قال : قال رجل يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت هذه الآية : فمن كان يرجوا لقاء ربه الآية، مرسل وأخرجه الحاكم في المستدرك موصولا عن طاووس عن ابن عباس وصححه على شرط الشيخين، وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كان رجل من المسلمين يقاتل وهو يحب أن يرى مكانه فأنزل الله من كان يرجو لقاء ربه الآية، وأخرج أبو نعيم وابن عساكر في تاريخه من طريق السدي الصغير من الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له فزاد في ذلك لمقالة الناس له فنزلت في ذلك فمن كان يرجوا لقاء ربه الآية. فإن قيل : روى الترمذي عن أبي هريرة قال :" قلت يا رسول الله أنا في بيتي في مصلاي إذ دخل علي رجل فأعجبني الحال التي رآني عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( رحمك الله أبا هريرة لك أجران أجر السر وأجر العلانية )١ وروى مسلم عن أبي ذر. قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه ؟ قال :( تلك عاجل بشرى المؤمن )٢ فإن قيل : هذان الحديثان ينافيان ما ذكر في شأن نزول الآية ؟ قلنا : لا منافاة أصلا فإن ما ذكر في شأن نزول الآية، مراده أن من عمل لله ويريد أن يراه الناس ويحمده على عمله، أو يزيد في عمله إذا رآه الناس فهو من الرياء والشرك الخفي، وأما من عمل لله ورآه الناس وحمده فاستبشر به وهو لا يريد حمد الناس عليه ولا جزاء منهم ولا يزيد في عمله لأجلهم فذلك بشراه العاجل وله أجر السر والعلانية والله أعلم.
وعن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به ٣ متفق عليه، وعن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا : يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء رواه أحمد وزاد البيهقي في شعب الإيمان ( يقول الله لهم حين يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء أو خيرا )٤ وعن أبي هريرة :( اتقوا الشرك الأصغر قالوا : وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء ) أخرجه ابن مردويه في التفسير والأصبهاني في الترغيب والترهيب وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ إن الله تعالى قال أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) وفي رواية :( فأنا منه بريء هو للذي عمله )٥ رواه مسلم، وعن أبي سعيد بن أبي فضالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله قال الله أغنى الشركاء عن الشرك )٦
رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي، وعن عبد الله بن عمرو أنه جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه وحقره وصغره ) رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان، وعن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك ) رواه أحمد، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يؤتي يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله فيقول : ألقوا هذه واقبلوا هذه فيقول الملائكة وعزتك ما كتبت إلا ما عمل، فيقول : هذا كان لغير وجهي وإني لا أقبل اليوم إلا ما ابتغي به وجهي ) وأخرجه البزار والطبراني في الأوسط والدارقطني والأصبهاني في الترغيب عن شهر بن عطية قال :" يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات فيقول رب العزة تبارك وتعالى صليت يوم كذا ليقال صلى فلان أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص وصمت يوم كذا ليقال صام فلان أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص، فما يزال يمحى شيء بعد شيء فيقول ملكاه لغير الله كنت تعمل " وعن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله تبارك وتعالى يجمع الأولين والآخرين ببقيع واحد منفذ البصر يسمعهم الداعي فيقول : أنا خير شريك فكل عمل لي في دار الدنيا كان فيه شريك فأنا أدعه اليوم لشريكي ولا أقبل اليوم إلا خالصا ) رواه الأصبهاني، وعن ابن عباس من رأى بشيء من عمله وكله الله إليه يوم القيامة وقال : أنظر هل يغني عنك شيئا.
وتأويل الآية على طريقة الصوفية فمن يرجو لقاء الله يعني وصله بلا كيف بالدنو والتدلي حتى يكون قاب قوسين أو أدني فليعمل عملا صالحا بعد فناء النفس وإزالة رذائلها فإن رذائل النفس تفسد العمل ولا تصلح العمل إلا بعد فناء النفس ولا يشرك بعبادة ربه أحدا يعني لا يكون لقلبه تعلق علمي ولا حبي لغير الله تعالى، فإن التعلق العلمي بالقلب هو للذكر والذكر هو العبادة، والحب يقتضي العبادة والمحبوب هو المعبود، فإن العبادة هي غاية الذل والتواضع والمرء يذل نفسه ويتواضع غايته عند محبوبه يحصل ذلك بعد فناء القلب فإن قيل : العلم بغير الله لا ينفك عن أولياء الله بل عن الأنبياء أيضا، قلنا العلم بعد فناء القلب لا يكون محله القلب بل يكون قلبه مهبط لتجليات الرحمن، لكنه يتعلق بوراء ذلك المحل لبقاء مادة التكليف على مقتضى الحكمة والله أعلم.
١ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: عمل السر ٢٣٨٤..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: إذا أثنى على الصالح فهي بشرى ولا تضره ٢٦٤٢..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة ٦٤٩٩، وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقاق، باب: من أشرك في عمله غير الله ٢٩٨٦..
٤ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
انظر: مجمع الزوائد في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في الرياء ٣٨٥..

٥ أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله ٢٩٨٥..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الكهف ٣١٥٤، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: الرياء والسمعة ٤٢٠٣..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير