ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

قوله : ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ .
اللام لامُ الغرض ؛ فيدل على أن أفعال الله تعالى معلَّلة بالأغراض، وقد تقدم الكلام فيه، ونظير هذه الآية في القرآن كثير، منها ما سبق في هذه السورة، وفي سورة البقرة : إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ [ البقرة : ١٤٣ ] وفي آل عمران : وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ [ آل عمران : ١٤٢ ] وقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ [ محمد : ٣١ ].

فصل


وقال بعض العلماء :" لِنعلمَ " أي : علم المشاهدة.
وقوله : لِنَعْلَمَ : متعلق بالبعث، والعامة على نون العظمة ؛ جرياً على ما تقدم وقرأ١ الزهريُّ " ليَعْلم " بياء الغيبة، والفاعل الله تعالى، وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة، ويجوز أن يكون الفاعل " أيُّ الحِزبينِ " إذا جعلناها موصولة، كما سيأتي.
وقرئ٢ " ليُعلمَ " مبنيًّا للمفعول، والقائم مقام الفاعل، قال الزمخشريُّ :" مضمون الجملة، كما أنه مفعول العلم ". وردَّه أبو حيان بأنه ليس مذهب البصريين، وتقدم تحقيق هذا أول البقرة.
وللكوفيين في قيام الجملة مقام الفاعل أو المفعولِ الذي لم يسمَّ فاعله : الجواز مطلقاً، والتفصيل بين ما تعلق به ؛ كهذه الآية فيجوز، فالزمخشريُّ نحا نحوهم على قوليهم، وإذا جعلنا " أيُّ الحزبَينِ " موصولة، جاز أن يكون الفعل مسنداً إليه في هذه القراءة أيضاً ؛ كما جاز إسناده إليه في القراءة قبلها.
وقرئ٣ " ليُعْلِمَ " بضم الياء، والفاعل الله تعالى، والمفعول الأول محذوف، تقديره : ليعلم الله الناس، و " أيُّ الحِزْبيْنِ " في موضع الثاني فقط، إن كانت عرفانية، وفي موضع المفعولين إن كانت يقينيَّة.
وفي هذه القراءة فائدتان :
إحداهما : أنَّ على هذا التقدير : لا يلزم إثبات العلم المتجدِّد لله، بل المقصود أنَّا بعثناهم ؛ ليحصل هذا العلمُ لبعض الخلقِ.
والثانية : أنَّ على هذا التقدير : يجب ظهور النَّصب في قوله " أيُّ " لكن لقائلٍ أن يقول الإشكال باقٍ ؛ لأنَّ ارتفاع لفظة " أيُّ " بالابتداء لا بإسناده " ليُعْلِمَ " إليه.
ولمجيبٍ بأن يجيب ؛ فيقول : لا يمتنعُ اجتماعُ عاملين على معمولٍ واحدٍ ؛ لأنَّ العوامل النحوية علاماتٌ ومعرفاتٌ، ولا يمتنع اجتماع معرفاتٍ كثيرة على شيءٍ واحد.
قوله :" أحْصَى " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه أفعلُ تفضيلٍ، وهو خبر ل " أيُّهُم " و " أيُّهُم " استفهامية، وهذه الجملة معلقة للعلم قبلها، و " لِمَا لَبثُوا " حال من " أمَداً "، لأنه لو تأخَّر عنه، لكان نعتاً له، ويجوز أن تكون اللامُ على بابها من العلَّة، أي : لأجل، قاله أبو البقاء٤، ويجوز أن تكون زائدة، و " ما " مفعولة : إمَّا ب " أحْصَى " على رأي من يعمل أفعل التفضيل في المفعول به، وإما بإضمار فعلٍ، و " أمداً " مفعول " لبثُوا " أو منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ يدلُّ عليه أفعل عند الجمهور، أو منصوب بنفس أفعل عند من يرى ذلك.
والوجه الثاني : أن يكون " أحْصَى " فعلاً ماضياً [ أي : أيهم ضبط أمداً لأوقات لبثهم ]٥ و " أمداً " مفعوله، و " لما لبثُوا " متعلق به، أو حال من " أمداً " أو اللام فيه مزيدة، وعلى هذا : ف " أمداً " منصوب ب " لبثُوا " و " ما " مصدريَّة، أو بمعنى " الذي " واختار الأول - أعني كون " أحْصى " للتفضيل - الزجاج٦ والتبريزيُّ، واختار الثاني أبو عليٍّ والزمخشري وابن عطية، قال الزمخشري :" فإن قلت : فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل ؟ قلت : ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثيِّ ليس بقياسٍ، ونحو " أعْدَى من الجَربِ " و " أفلسُ من ابنِ المُذلَّقِ " شادٌّ، و القياس على الشاذِّ في غير القرآن ممتنعٌ، فكيف به ؟ ولأنَّ " أمَداً " : إمَّا أن ينتصب بأفعل، وأفعلُ لا يعمل، وإمَّا أن ينتصب ب " لَبِثُوا " فلا يسدُّ عليه المعنى، فإن زعمت أني أنصبه بفعلٍ مضمرٍ، كما أضمر في قوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . وأضْرَبَ منَّا بالسُّيُوفِ القَوانِسَا٧
فقد أبعدتَّ المتناول ؛ حيث أبَيْتَ أن يكون " أحْصَى " فعلاً، ثم رجعت مضطراً إلى تقديره ".
وناقشه أبو حيان فقال :" أمَّا دعواه أنَّه شاذٌّ، فمذهب سيبويه خلافه، وذلك أنَّ أفعل فيه ثلاثةُ مذاهب : الجواز مطلقاً، ويعزى لسيبويه٨، والمنع مطلقاً، وهو مذهبُ الفارسيِّ، والتفصيل : بين أن يكون همزته للتعديةِ، فيمتنع، وبين ألاَّ تكون، فيجوز، وهذا ليست الهمزة فيه للتعدية، وأما قوله :" أفْعَلُ لا يَعْملُ " فليس بصحيح ؛ لأنه يعمل في التمييز، و " أمَداً " تمييزٌ لا مفعولٌ به، كما تقول : زيدٌ أقطع النَّاس سيفاً، وزيدٌ أقطع للْهَامِ سَيْفاً ".

فصل


قال شهاب الدين : الذي أحوج الزمخشريَّ إلى عدمِ جعله تمييزاً، مع ظهوره في بادئ الرأي عدم صحَّة معناه، وذلك : أنَّ التمييز شرطه في هذا الباب : أن تصحَّ نسبةُ ذلك الوصفِ الذي قبله إليه، ويتَّصف به ؛ ألا ترى إلى مثاله في قوله : زَيْدٌ أقطعُ النَّاس سَيْفاً " كيف يصحُّ أن يسند إليه، فيقال : زيدٌ قطع سيفه، وسيفه قاطعٌ، إلى غير ذلك، وهنا ليس الإحصاء من صفة الأمدِ، ولا تصحُّ نسبته إليه، وإنَّما هو من صفات الحزبين، وهو دقيق.
وكان أبو حيان نقل عن أبي البقاء نصبه على التمييز، وأبو البقاء لم يذكر نصبه على التمييز حال جعله " أحْصَى " أفعل تفضيلٍ، وإنما ذكر ذلك حين ذكر أنه فعل ماضٍ، قال أبو البقاء٩ : في أحصى وجهان :
أحدهما : هو فعلٌ ماضٍ، و " أمَداً " مفعوله.
و " لما لبثُوا " نعتٌ له، قدِّم، فصار حالاً، أو مفعولاً له، أي : لأجل لبثهم، وقيل : اللام زائدة و " ما " بمعنى " الذي " و " أمداً " مفعول " لَبِثُوا " وهو خطأ، وإنما الوجه أن يكون تمييزاً، والتقدير : لما لبثوهُ.
والوجه الثاني : هو اسم، و " أمداً " منصوب بفعلٍ دلَّ عليه الاسم انتهى، فهذا تصريح بأنَّ " أمَداً " حال جعله " أحْصَى " اسماً، ليس بتمييز بل مفعول به بفعل مقدر، وأنه جعله تمييزاً عن " لبثُوا " كما رأيت.
ثم قال أبو حيَّان :" وأمَّا قوله " وإمَّا أن ينصب ب " لبثُوا " فلا يسدُّ عليه المعنى، أي : لا يكون معناه سديداً، فقد ذهب الطبريُّ إلى أنه منصوب ب " لبِثوا " قال ابن عطيَّة :" وهو غير متَّجهٍ " انتهى، وقد يتَّجه : وذلك أنَّ الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدَّة من حيث إنَّ المدَّة غاية هي أمد المدَّة على الحقيقة، و " ما " بمعنى " الذي " و " أمداً " منصوب على إسقاط الحرف، وتقديره : لما لبثوا من أمدٍ، أي : من مدة، ويصير " مِنْ أمدٍ " تفسيراً لما أبهم من لفظ " ما " كقوله : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ [ البقرة : ١٠٦ ] مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ [ فاطر : ٢ ] ولمَّا سقط الحرف، وصل إليه الفعل ".
قال شهاب الدين : يكفيه أنَّ مثل ابن عطيَّة جعله غير متَّجهٍ، وعلى تقدير ذلك، فلا نسلِّم أن الطبري عنى نصبه ب " لَبِثُوا " مفعولاً به، بل يجوز أن يكون عنى نصبه تمييزاً ؛ كما قاله أبو البقاء.
ثم قال : وأمَّا قوله : فإنْ زَعَمْتَ إلى آخره، فنقول : لا يحتاج إلى ذلك ؛ لأنَّ لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين في أنَّه ينصب " القَوانِسَ " بنفس " أضْرَبُ " ولذلك جعل بعض النحاة أنَّ " أعْلَمُ " ناصب ل " مَنْ " في قوله : أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ [ الأنعام : ١١٧ ]، وذلك لأنَّ أفعل مضمَّن لمعنى المصدر ؛ إذ التقدير :" يزيدُ ضَرْبنَا القَوانِسَ على ضَرْبِ غَيْرنا ".
قال شهاب الدين : هذا مذهبٌ مرجوحٌ، وأفعل التفضيل ضعيف، ولذلك قصر عن الصفةِ المشبهة باسم الفاعل ؛ حيث لم يؤنَّث، ولم يثنَّ، ولم يجمع.
وإذا جعلنا " أحْصَى " اسماً فجوَّز أبو حيان في " أي " أن تكون الموصولة، و " أحْصَى " خبر لمبتدأ محذوف، هو عائدها، وأنَّ الضمة للبناء على مذهب سيبويه١٠ لوجود شرط البناء، وهو إضافتها لفظاً، وحذف صدر صلتها، وهذا إنما يكون على جعل العلم بمعنى العرفان ؛ لأنَّه ليس في الكلام إلا مفعولٌ واحدٌ، وتقدير آخر لا حاجة إليه، إلا أنَّ في إسناد " عَلِمَ " بمعنى عرف إلى الله تعالى إشكالاً تقدَّم تحريره في الأنفالِ وغيرها، وإذا جعلناه فعلاً، امتنع أن تكون موصولة ؛ إذ لا وجه لبنائها حينئذ، وهو حسن.

فصل في المراد بالحزبين


روى عطاءٌ عن ابن عبَّاس أنَّ المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك١١، فأصحاب الكهف حزبٌ، والملوك حزبٌ.
وقال مجاهدٌ :" الحزبين " من قوم الفتية١٢ ؛ لأنَّهم لما انتبهوا، اختلفوا في أنَّهم كم ناموا ؛ لقوله تعالى : قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ [ الكهف : ١٩ ].
وكأنَّ الذين قالوا :" ربُّكُمْ أعلم بِمَا لَبثْتُم " هم الذين علمُوا بطول مكثهم.
وقال الفراء : هم طائفتان من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدَّة لبثهم.
وقولهم : أحصى لِمَا لَبِثُواْ أي : أحفظ لما مكثُوا في كهفهم نياماً أَمَدًا أي : غاية.
وقال مجاهد١٣ : عدداً١٤.
١ ينظر: البحر ٦/١٠٠، والدر المصون ٤/٤٣٧..
٢ ينظر: الشواذ ٧٨، والبحر ٦/١٠٠، والدر المصون ٤/٤٣٧، وقال في الشواذ: حكاه الأخفش..
٣ ينظر: البحر ٦/١٠٠، والدر المصون ٤/٤٣٧.
.

٤ ينظر: الإملاء ٢/٩٩..
٥ زيادة من ب..
٦ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٣/٢٧..
٧ تقدم..
٨ ينظر: الكتاب ١/٣٧..
٩ ينظر: الإملاء ٢/٩٩..
١٠ ينظر: الكتاب ١/٣٩٧ ـ ٣٩٨..
١١ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢١/٧١) من طريق عطاء عن ابن عباس..
١٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٣٨٩) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٣ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٥٣..
١٤ في أ: مدادا..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية