و أي الحزبين : معلق لنعلم عن المفعولين ؛ لما فيه من معنى الاستفهام، وهو مبتدأ، و " أحصى " : خبره، وهو فعل ماض، و أمدا مفعوله.
و لما لبثوا : حال منه، أو مفعول " أحصى "، واللام زائدة و ما : موصولة، و أمدا تمييز، وقيل : أحصى : اسم تفضيل، من الإحصاء بحذف الزوائد، و أمدا : منصوب بفعل دل عليه أحصى، أي : يحصى كقوله١ :
وأضرب منا بالسيوف القوانسا ***. . .
لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به، إجماعًا، ويجوز أن يكون تمييزًا بعد اسم التفضيل.
ثم بعثناهم ؛ أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت، لنعْلَمَ علم مشاهدة، أي : ليتعلق علمنا تعلقًا حاليًّا كتعلقه أولاً تعلقًا استقباليًّا، أيُّ الحزبين : الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله : قالوا لبثنا يومًا. . . الخ، أحْصَى أي : أضبط لِما لَبِثُوا : للبثهم، أمدًا أي : غاية، فيظهر بذلك عجزهم، ويُفوضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، من حفظ أبدانهم وأديانهم، فيزدادوا يقينًا بكمال قدرته وعلمه، وليتيقنوا به أمر البعث، ويكون ذلك لطفًا بمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفارهم، وعبرةً لمن يأتي بعدهم، فهذه حِكَمُ إيقاظهم بعد نومهم، والله عليم حكيم.
أكر وأحمى للحقيقة منهم ***...
والبيت للعباس بن مرداس في ديوانه ص٦٩، والأصمعيات ص٢٠٥، وحماسة البحتري ص٤٨، وخزانة الأدب ٨/٣١٩، وشرح التصريح ١/٣٣٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٤٤١، ولسان العرب (قنس)..
الإشارة : عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وأيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويُغَيِّبَ سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حِمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي