ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

قوله : وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً .
صَفًّا : حال من مرفوع " عرضوا " وأصله المصدرية، يقال منه : صفَّ يصفُّ صفًّا، ثم يطلق على الجماعة المصطفِّين، واختلف هنا في " صفًّا " : هل هو مفرد وقع موقع الجمع ؛ إذ المراد صفوفاً ؛ ويدل عليه الحديث الصحيح :" يجمعُ الله الأوَّلين والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً " ١ وفي حديث آخر :" أهلُ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون " ٢.
ويؤيده قوله تعالى : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً [ غافر : ٦٧ ] أي أطفالاً. وقيل : ثَمَّ حذف، أي : صفًّا صفًّا، ونظيره قوله في موضع : وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً [ الفجر : ٢٢ ]. وقال في آخر : يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً [ النبأ : ٣٨ ] يريد : صفًّا صفًّا ؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل : بل كل الخلائق تكون صفًّا [ واحداً ]، وهو أبلغ في القدرة، وأمَّا الحديثان فيحملان على اختلاف أحوالٍ ؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : ٤ ] فتارة يكونون فيه صفًّا واحداً، وتارة صفوفاً.
وقيل : صفًّا أي : قياماً ؛ لقوله تعالى : فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ [ الحج : ٣٦ ] أي قياماً.
قوله : لَّقَدْ جِئْتُمُونَا على إضمار قول، أي : وقلنا لهم كيت وكيت.
وتقدَّم أن هذا القول هو العامل في قوله وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال [ الكهف : ٤٧ ]. ويجوز أن يضمر هذا القول حالاً من مرفوع " عُرِضُوا "، أي : عرضوا مقولاً لهم كذا وكذا.
قوله : كَمَا خَلَقْنَاكُمْ : أي : مجيئاً مشبهاً لخلقكم الأول حفاة، عراة غرلاً، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري :" لقَدْ بَعثْنَاكُم كَمَا أنْشَأناكُمْ أوَّل مرَّة " فعلى هذين التقديرين، يكون نعتاً للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه٣ : يكون حالاً من ضميره.
قوله : كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .
ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه٤ ؛ لأنهم خلقوا صغاراً، ولا عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنَّه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار : لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي حفاة، عراة، بغير أموال، ولا أعوانٍ، ونظيره قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [ الأنعام : ٩٤ ].
ثم قال تعالى : بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً أي كنتم مع التعزُّز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أنَّ البعث والقيامة حقٌّ.
قوله : أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً " أنْ " هي المخففة، وفصل بينها وبين خبرها ؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاءٍ بحرف النفي، و " لكم " يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير، و " مَوْعداً " هو الأول، ويجوز أن يكون معلَّقاً بالجعل، أو يكون حالاً من " مَوعِداً " إذا لم يجعل الجعل تصييراً، بل لمجرد الإيجادِ.
و " بَلْ " في قوله :" بَل زَعَمتُمْ " لمجرَّد الانتقالِ، من غير إبطالٍ.

١ أخرجه أحمد في "مسنده" (٤/٤٠٧)..
٢ أخرجه الترمذي (٤/٥٨٩) كتاب صفة الجنة: باب ما جاء في صفة أهل الجنة حديث (٢٥٤٦) وابن ماجه (٤٢٨٩) من حديث بريدة وقال الترمذي حديث حسن.
.

٣ ينظر: الكتاب ١/١١٦..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١١٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية