ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

و صفًّا : حال، أي : مصْطفين.
وعُرِضُوا على ربك ، شبهت حالتهم بحال جُنْدٍ عُرِضَ على السلطان، ليأمر فيهم بما يأمر. وفي الالتفات إلى الغيبة، وبناء الفعل للمفعول، مع التعرض لعنوان الربوبية، والإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - من تربية المهابة، والجري على سَنَن الكبراء، وإظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم - ما لا يخفى. قاله أبو السعود. صَفًّا أي : مصْطَفِّينَ غير متفرقين ولا مختلطين، كل أمة صَفٌّ، وفي الحديث الصحيح :" يَجْمَعُ اللهُ الأولين والآخرين في صَعِيدٍ واحِد، صفوفًا، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِيِ وَيَنْفُذُهُم البَصَرُ. . . " ١ الحديث بطوله. وفي حديث آخر :" أهل الجنة، يوم القيامة، مائة وعشرون صفًا، أنتم منها ثمانون صفًا " ٢.
يقال لهم - أي : للكفرة منهم : لقد جئتمونا كما خلقناكم أولَ مرة ، وتركتم ما خولناكم وما أعطيناكم من الأموال وراء ظهوركم. أو : حفاة عراة غُرْلاً، كما في الحديث.
وهذه المخاطبة، بهذا التقريع، إنما هي للكفار المنكرين للبعث، وأما المؤمنون المُقِرون بالبعث فلا تتوجه إليهم هذه المخاطبة، ويدل عليه ما بعده من قوله : بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدًا أي : زعمتم في الدنيا أنه، أي : الأمر والشأن، لن نجعل لكم وقتًا يَتَنَجَّزُ فيه ما وعدته من البعث وما يتبعه.
وهو إضراب وانتقال من كلام، إلى كلام، كلاهما ؛ للتوبيخ والتقريع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ويوم نُسير جبال الحس، أو الوهم، عن بساط المعاني، وترى أرض العظمة بارزة ظاهرة لا تخفى على أحد، إلا على أَكْمَهَ لا يُبصر القمر في حال كماله، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية، فلم نغادر منهم، أي : ممن ذهب عنه الحس والوهم، أحدًا، وعُرضوا على ربك ؛ لشهود أنوار جماله وجلاله، صفًا، للقيام بين يديه، فيقول لهم : لقد جئتمونا من باب التجريد، كما خلقناكم أول مرة، مُطَهَّرِينَ من الدنس الحسي، غائبين عن العلائق والعوائق، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون في الدنيا، وإنما موعده الجنة، ومن مات عن شهود حسه، وعن حظوظه، حصل له الشهود واللقاء قبل الموت الحسي، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب، فترى المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه، ووجود العبد : ذَنْبٌ لا يقاس به ذنب، فَنَصْبُ الموازين، ومناقشةُ الحسابِ ؛ إنما هو لأهل الحجاب، وأما العارفون الفانون عن أنفسهم، الباقون بربهم، لم يبق لهم ما يُحاسبون عليه ؛ إذ لا يشهدون لهم فعلاً، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا. والله تعالى أعلم.
ولمّا كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب، ذكر وبالَهُ بإثر الحشر والحساب، أو تقول : لمَّا ذكر قصة الرجلين ذكر قُبح صنيع من افتخر بنفسه، وأنه شبيه بإبليس، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين كان داخلاً في حزبه.



١ أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ٣، ٩، وتفسير سورة ١٧، باب ٥، ومسلم في الإيمان حديث ٣٢٧، والبر حديث ٥٥..
٢ أخرجه أحمد في المسند ١/٤٥٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير