ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

قوله : فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا : قرأ(١) نافع، وأبو عمرو بفتح الباء، وتشديد الدال من " بدَّل " هنا، وفي التحريم [ الآية : ٥ ] أَن يُبْدِلَهُ وفي القلم [ الآية : ٣٢ ] أَن يُبْدِلَنَا والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من " أبْدلَ " في المواضع الثلاثة، فقيل : هما لغتان بمعنى واحد، وقال ثعلبٌ : الإبدال تنحيةُ جوهرةٍ، واستئناف أخرى ؛ وأنشد :[ الرجز ]
عَزْلَ الأميرِ للأمِيرِ المُبدَلِ(٢) *** قال : ألا تراه نحَّى جسماً، وجعل مكانه آخر، والتبديل : تغيير الصورة إلى غيرها، والجوهرة باقية بعينها ؛ واحتجَّ الفراء بقوله تعالى : يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [ الفرقان : ٧٠ ] قال : والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلاَّ أنَّهم يجعلون " أبدلتُ " بمعنى " بدَّلتُ " قال شهاب الدين : ومن ثم، اختلف الناس في قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض [ إبراهيم : ٤٨ ] : هل يتغير الجسمُ والصفة، أو الصفة دون الجسم ؟.
قوله : يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً أي : يرزقهما الله ولداً خيراً من هذا الغلام " زَكَاةً " أي : ديناً، وصلاحاً.
وقيل : ذكر الزكاة تنبيهاً على مقابلة قول موسى - عليه السلام - " أقتَلْتَ نفساً زكيَّة بغيرِ نفسٍ " فقال العالم : أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين خيراً، بدلاً عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه بما ذكره من الزَّكاة، ويكون المراد من الزَّكاة الطهارة، وكان قول موسى :" أقَتَلْتَ نَفْساً زكيَّة "، أي : طاهرة، لأنَّها ما وصلت إلى حدِّ البلوغ، فكانت زاكية طاهرة من المعاصي، فقال العالم : إن تلك النفس، وإن كانت طاهرة زاكية في الحال، إلاَّ أنه تعالى علمَ منها أنَّها إذا بلغتْ، أقدمت على الطغيان، والكفر، فأردنا أن يحصل لهما ولدٌ عظيمٌ، أي : أعظم زكاة وطهارة منه، وهو الذي يعلمُ الله منه أنَّه عند البلوغ لا يقدم على شيءٍ من هذه المحظورات.
ومن قال : إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، قال : المراد من وصف نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله.
قوله :" رُحْماً " قرأ ابن عامر(٣) " رُحُماً " بضمتين، والباقون بضمة وسكون، وهما بمعنى الرحمة ؛ قال رؤبة :[ الرجز ]

يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدْريسَا ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إبْليسَا(٤)
وقيل : الرُّحُم بمعنى الرَّحم، وهو لائِقٌ هنا من أجلِ القرابةِ بالولادة ؛ ويؤيِّده قراءة ابن(٥) عباس " رَحِماً " بفتح الراءِ، وكسر الحاء، و " زَكاةً ورُحْماً " منصوبان على التمييز.
والمعنى : هذا البدل يكون [ أقرب ](٦) عطفاً ورحمة بأبويه، وأشفق عليهما.

فصل في المبدل به


قال الكلبيُّ : أبدلهما الله جارية تزوَّجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت له نبيًّا، فهدى الله على يديه أمَّة من الأمم(٧).
١ ينظر: السبعة ٣٩٧، والنشر ٢/٣١٤، والحجة ٤٢٧، والتيسير ١٤٥، والحجة للقراء السبعة ٥/١٦٤، وإعراب القراءات ١/٤٠٩، والكشاف ٢/٧٤١، والقرطبي ١١/٢٦، والبحر ٦/١٤٧، والدر المصون ٤/٤٧٨..
٢ تقدم..
٣ ينظر: السبعة ٣٩٧، والنشر ٢/١٦، والتيسير ١٤٥، والحجة ٤٢٧، والإتحاف ٢/٢٢٣، والحجة للقراء السبعة ٥/١٦٥، وإعراب القراءات ١/٤١٠، والقرطبي ١١/٢٦، والبحر ٦/١٤٧، والدر المصون ٤/٤٧٨..
٤ ينظر: البحر المحيط ٦/١٤٧، روح المعاني ١٦/١٢، والدر المصون ٤/٤٧٨..
٥ ينظر: البحر المحيط ٦/١٤٧، الدر المصون ٤/٤٧٩..
٦ في أ: أعظم..
٧ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٧٧)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية