تمهيد :
أمور ثلاثة، تجعل موسى عليه السلام في الإنكار عليهما عند حدوثها، وكان الخضر قد أعطى شفافية خاصة، ومعرفة ببواطن الأمور وخفاياها، وهي معرفة لا يطلع عليها إلا من اختصه الله من عباده، بهذا العلم، فهو علم لدني، من لدن الله العلي القدير ؛ حيث قال سبحانه في شأن الخضر : آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما . ( الكهف : ٦٥ ).
وخلاصة هذه الأمور هي : تحمل الضرر الأصغر في سبيل دفع الضرر الأكبر ؛ فتحمل الخضر ضرر خرق السفينة في سبيل دفع اغتصابها، وقتل الغلام ؛ حتى لا يفسد على والديه إيمانهما، وبنى الجدار ؛ حتى يشب اليتيمان، ويستخرجا كنزهما من تحته ؛ رحمة من الله تعالى.
المفردات :
زكاة : طهارة من الذنب.
رُحما : أي : رحمة، كالكُثر والكثرة.
٨١- فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما .
أي : أراد الله ووجه إرادة العبد الصالح إلى قتل هذا الغلام الذي يحمل طبيعة كافرة طاغية، وأن يبدلهما الله خلفا خيرا منه، وأرحم بوالديه، وأكثر شفقة عليهما وبرا بهما.
جاء في مختصر تفسير ابن كثير للصابوني :
قال قتادة : قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي ؛ لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره ؛ خير له من قضاءه فيما يحب، وصح في الحديث :( لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له )٥١.
وقال تعالى : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم . ( البقرة : ٢١٦ ).
فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما .
أي : ولد أزكى من هذا. وقال قتادة : أبرّ بوالديه، وقيل : لما قتله الخضر ؛ كانت أمه حاملا بغلام مسلم، والله أعلم.
والخلاصة : أن الله أبدل والديه ذرية صالحة أكثر برا ورحمة وطاعة لله، والأمر في جملته خاضع لعلم علام الغيوب، وحكمته سبحانه وتعالى.
١- للقدر حكمة إلهية عليا، وأسباب خفية، لم نطلع عليها، من ذلك معرفة الخضر بأمور خفية وراء أفعاله الثلاثة، وهي رمز لما ينبغي للمؤمن أن يعمله إزاء أحداث هذه الحياة، علينا أن نحني رؤوسنا لكل ما يجيء به الله، وكما قال القائل :
سلّم الأمر تجدنا *** نحن أولى بك منك
٢- الإخلاص في طلب العلم والتواضع في سبيله، ومعرفة كل جديد، وعدم الحياء من التعلم ؛ فقد يتعلم الفاضل من المفضول، وقد شاهدت أساتذة في علوم متعددة : يجلسون تلامذة أمام معلم كمبيوتر أقل منهم درجة وعلما، وفي القرآن الكريم : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . ( الإسراء : ٨٥ )، ويقول سبحانه : وقل ربّ زدني علما . ( طه : ١١٤ ).
٣- الرحلة في طلب العلم، ومعرفة الرجال الفضلاء، سمة من صفات العقلاء ؛ فموسى عليه السلام يرحل إلى الخضر، مصمما على بلوغ هدفه.
قال البخاري : ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله ابن أنيس في طلب حديث واحد.
٤- أنه يجوز دفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر ؛ فإن خرق السفينة فيه ضرر ولكنه أقل من أخذ الملك لها غصبا، وإن قتل الغلام شر ولكنه أقل من الضرر الذي سيترتب على بقائه ؛ وهو إرهاقه لأبويه وحملهما على الكفر.
٥- إن صلاح الآباء ينفع الأبناء، بدليل قوله تعالى :{ وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما..... ( الكهف : ٨٢ ).
وقد ورد في القرآن والسنة : ما يفيد : أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشملهم من بركة عبادته ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة