خيرا منه زكاة : أكثر منه طهارة وبراءة واستقامة.
أقرب رحما : أكثر منه رعاية لصلة الرحم أو أكثر منه رحمة أو برا بوالديه.
هذا الفصل يحتوي قصة لقاء ومحاورة بين موسى وعبد من عباد الله الصالحين اختصه بعلم خاص منه، وعبارة آياته واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر.
تعليقات على قصة
موسى والعبد الصالح
ولقد تعددت الأحاديث والروايات التي أوردها المفسرون في صدد القصة. والمستفاد منها بدون خلاف أن موسى هو نبي بني إسرائيل المشهور وأن العبد الصالح هو الخضر وأن فتى موسى هو يوشع بن نون.
وفي كتاب التفسير في صحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي حديث طويل جاء فيه١ :( أن سعيد بن جبير قال لابن عباس : إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال : كذب عدو الله ٢ حدثني أبيّ بن كعب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل : أيّ الناس أعلم ؟ قال : أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه فأوحى الله إليه : إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى : يا رب فكيف لي به ؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ. فأخذ حوتا في مكتل ثم انطلق ومعه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما. واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، وفي رواية في أصل الصخرة عين يقال لها : الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من مائها فتحرك وانسلّ من المكتل فدخل البحر، فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليليتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. قال : ولم يجد النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا. قال : فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا. قال موسى : ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا قال رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجّى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر : وأنّى بأرضك السلام، قال : أنا موسى، قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. قال : إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى إني على من علم الله علّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علّمك الله لا أعلمه. فقال له موسى : ستجدني إن شاء الله صابر و لا أعصي لك أمرا، فقال له الخضر : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقَدُومِ، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئا إمرا قال : ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا، قال : لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا. قال : وقال رسول الله وكانت الأولى من موسى نسيانا. قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر من البحر نقرة، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى : أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا، قال : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال : وهذه أشد من الأولى. قال : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه الخضر بيده، فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيّفونا، لو شئت لاتخذت عليه أجرا، قال : هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما. قال سعيد بن جبير ٣ : وكان ابن عباس يقرأ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ٧٩ وكان يقرأ : وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين [ ٨٠ ] وقد روى الترمذي٤ في سياق هذا الحديث حديثا عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ) وروى هذا ٥ أبو داود وزاد عليه :( لو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا ) وروى الترمذي في نفس السياق٦ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء ). والمتبادر أن القراءة المنسوبة إلى ابن عباس، وفيها زيادة على النص القرآني المتواتر بدون انقطاع كانت بسبيل التفسير والتوضيح.
وهناك رواية تذكر أن اليهودي نوفا قال : إن صاحب الخضر هو موسى بن ميشا أو ابن يشا وليس موسى النبي.
وإلى جانب هذا الحديث الصحيح فإن المفسرين يروون روايتين أخريين عن سبب لقاء موسى بالخضر ٧ جاء في إحداهما عن ابن عباس : أن موسى سأل ربه فيما سأل أي عباده أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عساه يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى، قال : رب فهل في الأرض أحد ؟ قال : نعم، قال : فمن هو ؟ قال : الخضر. ثم تستمر الرواية في القصة في نطاق ما جاء في الآيات وفي الحديث الجامع مع شيء من الزيادة والنقص. وجاء في ثانيتهما عن قتادة أن موسى هو الذي حدثته نفسه بأنه ليس على وجه الأرض من هو أعلم منه فكره الله له ذلك، وأراد أن يعرفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه، وأنه لم يكن له أن يحتم على ما لا علم له به، ولكن كان ينبغي له أن يكل ذلك إلى عالمه.
وننبه على أن القصة لم تذكر في أسفار العهد القديم، ولكن هذا لا يمنع أن تكون واردة في أسفارنا إسرائيلية لم تصل إلينا ما دام أن موسى هو النبي المشهور، شأن كثير من القصص الإسرائيلية التي وردت إشارة ما إليها في القرآن ولم ترد في الأسفار المتداولة اليوم، على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة. والروايات العديدة في صددها ٨ التي فيها زيادات أو بيانات أكثر مما جاء في الآيات قد تدل على أن القصة مما كان معروفا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم والمصدر المرجح لذلك هم اليهود وأسفارهم.
ونحن في صدد القصص القرآنية عامة على اعتقاد أنها أوردت لتدعيم الدعوة النبوية ومن أجل ما احتوته من مواضع العبرة والموعظة والتمثيل والتذكير، ونعتقد أن هذا يشمل هذه القصة أيضا وإن كانت تبدو أنها جاءت مستقلة عن السياق السابق أولا، وجاءت كقصة لذاتها ثانيا.
فمما قاله الطبري : إن هذه القصص التي أخبر الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بها عن موسى وصاحبه تأديب منه له وتقدم إليه بترك الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذبوا واستهزؤوا به وبكتابه وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فيما ترى الأعين بما قد يجري مثله أحيانا لأوليائه فإن تأويله صائر بهم إلى أحوال أعدائه فيها كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف حقيقة الصحة في الظاهر عند موسى إذا لم يكن عالما بعواقبها وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وآيلة إلى الصواب في العاقبة. وينبئ عن صحة ذلك قوله وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ، ولقد أورد المفسر القاسمي طائفة من مواضع العبرة والعظة والتلقينات في القصة نقلا عن مصادر عديدة منها استحباب الرحلة في طلب العلم وتجشم المشاق في ذلك. واستزادة العالم من العلم. وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة. والتحذير من عجب المرء بعلمه. وجواز إتلاف مال الغير أو تعييبه لوقاية باقية. وارتكاب مفسدة خفيفة توقيا من مفسدة شديدة. وعدم جواز ترك بناء أو متاع يفسد ويخرب دون بذل الجهد لتلافي ذلك. وعدم استحسان مبادرة المرء إلى إنكار ما لم يستحسنه أو يعرف أسبابه ووجوب الوفاء بالشروط والاعتذار من النسيان والخطأ والتأميل في رحمة الله وعنايته بالذرية التي يتركها الآباء والصالحون.
ويحسن أن يضاف إلى هذا استلهاما من الحديث الجامع أن الإنسان مهما أوتي من العلم والحظوة فيجب أن يكون متواضعا لله، وأن يلحظ دائما أن من المحتمل أن يكون غيره أفضل منه وأعلم منه وأحظى منه عند الله.
ولقد يلهم الحديث الجامع بالإضافة إلى ما تقدم أن بين هذه القصة وبين الآيتين [ ٢٣-٢٤ ] اللتين وردتا في ثنايا آيات قصة أصحاب الكهف شيء من المناسبة. فالآيتان احتوتا أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم بألا يقول لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله مما قد يكون فيه عتاب لوعده بشيء دون إناطة ذلك بمشيئة الله على ما رواه الرواة، ولعل هذا أدى إلى قيل وقال واستغراب وسؤال، فأوحى الله بآيات القصة التي لم تكن مجهولة لبيان كون بعض الأنبياء السابقين أيضا قد وقعوا في شيء من الخطأ العفوي الذي قد يكون مرده الطبيعة البشرية، وإذا صح هذا فيكون بين هذا الفصل وبين فصول السورة السابقة صلة ما على ما هو المتبادر.
ولقد أورد المفسرون أقوالا متنوعة أخرى غير واردة في الحديث الصحيح معزوة إلى ابن عباس وقتادة والضحاك والحسن وغيرهم في صدد بعض نقاط القصة. من ذلك أن مجمع البحري
التفسير الحديث
دروزة