قال المفسرون: (خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه) (١). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كان الغلام يؤذي الجيران، ويفعل القبيح، وكان أبواه يحلفان عنه بالكذب طغيانًا وكفرًا) (٢).
٨١ - وقوله تعالى: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا وقرئ: بالتخفيف (٣). وبدل وأبدل متقاربان في المعنى، كما أن نزل وأنزل كذلك. وفرق قوم بينهما، وذكرنا ذلك عند قوله: بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء: ٥٦] الآية.
قوله: خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (خيرًا منه دينًا) (٤). وهو قول قتادة (٥). ومعنى هذا ما قاله الكلبي، والفراء: (خيرًا منه صلاحًا) (٦). والزكاة: الصلاح، والزاكي: الصالح، ذكرنا ذلك عند قوله: نَفْسًا زَكِيَّةً [الكهف: ٧٤] وفسر الصلاح: بالدين؛ لأن الصلاح يكون من الدين. وكذلك تفسير ابن جريج الزكاة في هذه الآية: (بالإسلام) (٧). فيكون كتفسير ابن عباس بالدين.
(٢) ذكر نحوه المارودي في "تفسيره" ٣/ ٣٣٣، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٥/ ١٧٩، الألوسي في "روح المعاني" ١٦/ ١١.
(٣) قرأ نافع، وأبو عمرو البصري: (أن يبدلهما) بالتشديد.
وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (أن يبدلهما) بالتخفيف. انظر: "السبعة" ص ٣٩٦، "الحجة" ٥/ ١٦٤، "التبصرة" ص ٢٥١، "النشر" ٢/ ٣١٤.
(٤) "زاد المسير" ٥/ ١٨٠، "القرطبي" ١١/ ٣٧، بدون نسبة، "روح المعاني" ١٦/ ١١.
(٥) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٣٧ بدون نسبة.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٥٧، "الكشف والبيان" ٣/ ٣٩١ ب.
(٧) "جامع البيان" ١٦/ ٤، "معالم التنزيل" ٥/ ١٩٥، "المحرر الوجيز" ٩/ ١٩٣، "النكت والعيون" ٣/ ٣٣٤، "الدر المنثور" ٤/ ٤٣١.
وقوله تعالى: وَأَقْرَبَ رُحْمًا والرُّحْمُ، والرُّحُمُ، والرَّحْم: العطف والرحمة (١). قاله أبو عبيدة، والزجاج (٢). وأنشد أبو عبيدة للعجاج (٣):
ولم تعوَّج رحم من تعوَّجا
وأنشد غيره لرؤبة (٤):
| يا منزل الرَّحم على إدريس | ومنزل اللعن علي إبليس |
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٠٥، "مجاز القرآن" ١/ ٤١٢.
(٣) البيت للعجاج.
انظر: "ديوانه" ٢/ ٦٦، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ١/ ٤١٣، "جامع البيان" ١٦/ ٤، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٦٦، "لسان العرب" (رحم) ٣/ ١٦١٣.
(٤) البيت لرؤبة.
انظر: "ديوانه" ص ١٧٥، "المحرر الوجيز" ٩/ ١٩٣، "البحر المحيط" ٦/ ١٥٥، "الدر المصون" ٧/ ٥٣٩، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٦٦، "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٢٩٠ والشطر الأول منه في "لسان العرب" (رحم) ٣/ ١٦١٣.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ٤، "معالم التنزيل" ٥/ ١٩٥، "النكت والعيون" ٣/ ٣٣٥، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١١٠.
(٦) "زاد المسير" ٥/ ١٨٠، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٣٧.
(٧) ذكره النحاس في "إعراب القرآن" ٢/ ٢٩٠ بدون نسبة.
ومنهم من جعل الوالدين أبر بالبدل، وهو قول ابن جريج، والفراء. قال ابن جريج: (أرحم به منهما بالذي قتل الخضر) (١). يعني رحمة الوالدين عليه أكثر.
وقال الفراء: (أقرب أن يرحماه) (٢). فعلى هذا، الرحم من جهة الوالدين، وعلى القول الأول الرحم من جهة الولد، وكلهم على أن معنى الرحم هاهنا: الرحمة والشفقة والعطف، غير أن الزجاج قال في هذه الآية: (أقرب عطفا، وأمس بالقرابة) (٣). وَهِمَ؛ لأن الأولاد لصلب الوالدين سواء في القرابة، ولا يكون بعضهم أمس بالقرابة من بعض.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي بن كعب: "فوقع أبوه على أمه فنقلت: فولدت خيرًا منه زكاة وأقرب رحما" (٤).
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (ولدت جارية فولدت نبيا) (٥). وروى عكرمة عنه في قوله: خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا قال: (ولدا كان في بطن أمه) (٦). وقال مجاهد: (كان ذلك الولد جارية) (٧). وهو قول جميع
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٥٧.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٠٥.
(٤) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ٤، "النكت والعيون" ٣/ ٣٣٥، "زاد المسير" ٥/ ١٨١، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٣٧.
(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "جامع البيان" ١٦/ ٤، "لباب التأويل" ٤/ ٢٢٧، "الكشاف" ٢/ ٤٩٦، "زاد المسير" ٥/ ١٢٦، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١١٠، "التفسير الكبير" ٢١/ ١٦١، "البحر المحيط" ٦/ ١٥٥.
(٧) "النكت والعيون" ٣/ ٣٣٥ بدون نسبة، وذكر نحوه الثعلبي عن الكلبي ٣/ ٣٩١ ب، "بحر العلوم" ٢/ ٣٠٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي